نسخ ملحمة جلجامش ومصادرها / د. عبدالرزاق الديراوي

(( نسخ الملحمة ومصادرها:

………….

إذا ما تجاوزنا الكِسر، والأجزاء الكثيرة التي عثر عليها في أماكن مختلفة [1]، فإن الحديث يجري، عادة، عن ثلاث نسخ من الملحمة، كما يأتي [2]:

1- النسخة البابلية وهي عن نصوص لنسخ تعود للفترة ما بين 1900 – 1800 ق. م.

2- النسخة الحيثية التي عثر عليها في خاتوش [3]، عاصمة المملكة الحيثية، وهي عن نص لنسخة تعود على الأغلب للفترة ما بين 1400 – 1300 ق. م.

3- نسخة نينوى، التي تمثل المصدر الأكثر اكتمالاً، والأقل تلفاً من الملحمة، ويرقى زمن تدوينها إلى القرن السابع ق. م. وهي التي عُثر عليها في مكتبة الملك “آشور بانيبال”، وتتألف من 12 لوحاً [4].

أما بالنسبة لمصادر الملحمة السومرية، فلدينا، بحسب الدارسين، خمس قصائد سومرية عن جلجامش تعود للفترة ما بين 1900 – 1800 ق. م [5]. وهذه المصادر هي:

1- قصة “جلجامش وثور السماء”، وقد وصلتنا بحالة مشوهة جداً، لا تسمح بأخذ فكرة واضحة عن مضمونها [6].

2- قصة “موت جلجامش”، ولم يبق من هذا النص إلا بضع كسرات ألواح مشوهة، لا تكفي لإعطاء فكرة واضحة عن مضمونها [7].

3- قصة “جلجامش وأرض الأحياء” [8]، عثر منها على 174 سطراً الأولى فقط [9]، أو 175 [10].

4- قصة “جلجامش وأنكيدو والعالم السفلي” [11]، وهي تشكل اللوح الثاني عشر، الذي رفض معظم الدارسين عدّه جزءاً من الملحمة [12].

5- قصة جلجامش وأكا حاكم كيش [13].

المهم من هذه القصص الخمس قصتان؛ الأولى والثالثة، فهاتان القصتان فقط لهما علاقة حقيقية بالملحمة، بعد استبعاد اللوح الثاني عشر، ومن هنا وجدنا الدكتور “ولفرد جورج لامبرت” يقول: (لقد أخذ البابليون اثنتين من تلك القصص البطولية، وأدمجوهما في ملحمة بابلية فريدة مع إضافات من مصادر أخرى) [14]. وربما كان على الدكتور “ولفرد جورج لامبرت” أن يضيف بأن البابليين قد تصرفوا في المصادر، ولم يقفوا منها موقف الناقل الأمين، أو الناقل الحرفي، كما يكتشف من ينظر في المقارنات التي عقدها “دياكونوف” بين نص الملحمة، ومصادرها [15].

وهذا ما يصرح به “ثوركلد جاكوبسن”، حين يصف الملحمة بقوله: (هي ملحمة بنيت على أقاصيص أقدم منها، غير أن الأقاصيص أعيد سبكها في قالب جديد، وجمعت حول موضوع جديد، هو موضوع الموت) [16].

إذن نحن أمام نص لا شك قد دخلت فيه عقيدة، وأفكار الكتاب البابليين، كما لا شك في أن الضرورات الفنية لصياغة نص ملحمي قد اقتضت إضافة بعض الأحداث، والتفاصيل. ولا بأس هنا من إعادة التذكير بما قاله صاموئيل نوح كريمر:

(مهما كان الحال فإن الشعراء البابليين لم يكونوا بأية حال من الأحوال مجرد مستنسخين ومقلدين تقليداً أعمى للمادة السومرية. بل الواقع إنهم بدلوا وغيروا في مضمونها، وكيّفوا تركيبها وهيئتها إلى درجة جسيمة لتلائم مزاجهم وتراثهم، بحيث لم يبق منها إلا النواة السومرية الأصلية) [17].

يتفق فراس السواح مع رأي كريمر، فهو مثله يرى الملحمة في شكلها النهائي: (ليست إلا نتاجاً للعبقرية الأدبية البابلية، وتعبيراً عن نظرتها الفلسفية للحياة والإنسان) [18].

ويقول “هربرت ميسن”: (إنه من المحال التأكد بصورة عملية متى كتبت الملحمة، ناهيك عن التثبت من الفترة التي رويت فيها لأول مرة شفهياً، وما طولها. وقد يمكن الافتراض، اعتماداً على ما جاء حولها على لسان الأقدمين ولغاتهم، بأنها لم تؤلف مرة واحدة، بل صيغت تدريجياً، وتنوعت باختلاف الرواة) [19].

وإذا ما يممنا شطر الترجمات، وأثرها في ابتعادنا عن الدلالات الصحيحة للنصوص، وجدنا صاحب كتاب “أساطير بلاد ما بين النهرين” يقول: (وينبغي أن نتذكر بأن معلوماتنا عن السومريين وأساطيرهم ليست تامة، وأن كثيراً من الكلمات في اللغة السومرية ذات معان غير متحققة، وإضافة لذلك فإن بعض الألواح مكسورة، وتصعب جداً قراءتها) [20].

ويتحدث الدكتور طه باقر عن الترجمة، قائلاً: (مهما بلغت ترجمة هؤلاء الباحثين من دقة الأداء فإنها لا تستطيع أن تنقل لنا الروح الأصلية، والمناخ الفكري، والعاطفي المميز لتلك النصوص … لاسيما في حالة نتاج أدبي مثل أدب حضارة وادي الرافدين تبعدنا عنه آلاف السنين) [21].

في ظل هذا الواقع غير الموثوق، لاشك في أن عدم الالتزام الحرفي بالنص له ما يسوغه، لاسيما في الحالات التي يتعارض فيها الظاهر الحرفي للنص مع الدليل. كما إن ما ذكره الدارسون عن التدخلات الكثيرة للمؤلفين، أو النساخ البابليين، وما تركته نظرتهم الفلسفية والدينية من آثار، يدفعنا، بقوة، إلى أن نُعِد أنفسنا لتوقع نمط من الإزدواجية، أو التناقض في البنية الفكرية، أو الدلالية للملحمة. فالمؤلف، أو الناسخ البابلي ذي الخلفية الدينية والفكرية المختلفة سيترك بصماته، كما هو متوقع، ليجعل النص مناسباً له ولمتلقيه الذي يشترك معه في الخلفية المذكورة.

إذن لابد أن تكون خطواتنا حذرة، وهي تذرع فضاء النص، وبصيرتنا حاضرة لفرز الخيوط المشتبكة، وانتشال المعنى من ركام التصورات التي تحاول طمره. وبطبيعة الحال، لن يكون الواقع الموصوف قبل قليل ذريعة لإذلال النص، والتحكم فيه وفق أهواء مسبقة، فالفيصل، كما ذكرنا في التمهيد، سيكون للحظة الوعي الحاضرة، التي لاشك في أن واقع النص سيشكل جزءاً من معادلاتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]ينظر بشأنها: ملحمة كلكامش: ص68 وما بعدها؛ وكنوز الأعماق: مصدر سابق: ص49 وما بعدها.

[2]جماليات ملحمة جلجامش: ص19 وما بعدها.

[3]حاتوشاش (بوغازكوي الآن) بحسب د. طه باقر. ينظر: ملحمة كلكامش: ص70.

[4]ينظر: نفسه: ص67.

[5]ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص17.

[6]ينظر: كنوز الأعماق: مصدر سابق: ص39.

[7]ينظر: نفسه: ص43.

[8]“كلكامش وأرض الحياة” بحسب ترجمة طه باقر. ينظر: ملحمة كلكامش: ص226.

[9]ينظر: من الواح سومر: مصدر سابق: ص290.

[10]ينظر: ملحمة كلكامش: ص227.

[11]ينظر: ملحمة جلجامش: فاضل عبدالواحد علي. مجلة عالم الفكر. وزارة الإعلام – الكويت. مج 16- العدد: 1. ابريل / مايو / يونيو 1985: ص36.

[12]ينظر: ملحمة كلكامش: طه باقر: ص199.

[13]ينظر: مقدمة في أدب العراق القديم: مصدر سابق: ص126.

[14]ملحمة جلجامش في الأدب والتاريخ القديم: د. ولفرد جورج لامبرت. محاضرة ألقاها في جامعة قطر يوم السبت 15 / 11 / 1994. ترجمة: د. درويش مصطفى الفار. متاحة على: http://qspace.qu.edu.qa/handle/10576/8996

[15]ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص72 وما بعدها.

[16]ما قبل الفلسفة: مصدر سابق: ص246.

[17]من ألواح سومر: ص323.

[18]ملحمة جلجامش وأثرها في الثقافة القديمة: مصدر سابق: ص109.

[19]كلكامش: هربرت ميسن. ترجمة: حسن العمري. مطبعة الأديب البغدادية / 1985: ص36.

[20]ملحمة جلجامش والنص القرآني: مصدر سابق: ص255 – 256.

[21]مقدمة في أدب العراق القديم: ص39 )).

 

المصدر: د. عبدالرزاق الديراوي، كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية”.