صورة المنقذ من خلال قصة “جلجامش وشجرة الخلبو”/ د. عبدالرزاق الديراوي

(( صورة المنقذ من خلال قصة “جلجامش وشجرة الخلبو”

جلجامش، كما يدل اسمه، هو الرجل الذي سيُنبت شجرة جديدة، أو أسرة جديدة ([1])، أي إنه سيخلق حياة جديدة، ونظاماً جديداً يكون فيه الحكم للصالحين، في هذه الدنيا التي طالما انحازت للطواغيت، وهذه هي وظيفة المنقذ في جميع السرديات التي أنتجتها الشعوب.

أما قصة شجرة “الخلبو” (Huluppu) ([2])، فيلخصها الدكتور طه باقر بالصورة الآتية: (تبدأ أحداث أسطورة “جلجامش وشجرة الخلبو” من زمن الخليقة، من بعد انفصال السماء عن الأرض، وخلق الإنسان، وتقسيم الكون بين الآلهة العظام، واختصاص كل منهم بواجبات ومسؤوليات خاصة. فحدث في تلك الأزمان أن شجرة “الخلبو” قد اقتلعتها الرياح الجنوبية، وجرفها نهر الفرات حتى أوصلها التيار إلى مدينة “أوروك”. وصادف أن رأتها الآلهة “إنانا” (عشتار) حين كانت تتمشى على ضفة النهر، فانتشلتها، وحملتها إلى بستانها المقدسة في المدينة، وتعهدتها بالرعاية حتى نمت وازدهرت، وقررت أن تصنع من خشبها بعض الأثاث ولاسيما سرير وكرسي لها. وإن “إنانا” لم تستطع أن تحقق ذلك لأن ثعباناً اتخذ جزءها السفلى مأوى له، كما ابتنى فيها طير “زو” عشاً لصغاره، واتخذت الشيطانة “ليلث” وسطها مأوى لها. فحزنت “إنانا” لما حل بشجرتها، ولما أن سمع جلجامش بمحنتها خف لنجدتها فبادر إلى ذبح الثعبان وطرد طير الصاعقة والجنية “ليلث” منها. ثم جمع بعض رجال أوروك وقطع الشجرة وسلمها إلى “إنانا” فصنعت منها السرير والكرسي، كما صنعت من قسمها الأسفل آلتين خاصتين لا تُعلم ماهيتهما، اسمهما “بكو” و”مكو” في السومرية – وقد ترجمهما بعض الباحثين بالطبل ومدق الطبل – وأهدتهما إلى جلجامش) ([3]).

لكي نفهم هذه القصة الرمزية ينبغي أولاً فهم رموزها الأساسية، وأولها رمز الشجرة.

ورد في “موسوعة ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة”: (للشجرة صلة كبيرة بالملك والراعي، حيث وُجدت منحوتات وتصورات حول الشجرة والماء تعود إلى الألف الرابع ق.م. أي إلى العصر الذي لم يعرف الكتابة بعد، وهذا دليل على إهتمام الإنسان بالشجرة والماء، فالخطوط المتموجة تدل على وجود الماء، فهناك مناظر تمثل الحيوان مع ماء، أو الحيوان مع شجرة، فوجود الماء والشجرة ليس من قبيل الزينة إنما يتضمنان معاني رمزية عميقة تمس وجود الإنسان، وأسباب عيشه. فالعلاقة بين الشجرة والماء هي نفس العلاقة التي تربط الراعي بالماشية، والراعي لا يختلف عن الحاكم المسؤول عن شعبه وتأمين أسس حياته، فكلاهما راعٍ، وكلاهما مسؤول عن رعيته، فالحياة الرعوية تتجسد كلها في شجرة الحياة، ولا يوجد اختلاف كبير بين الملك وشجرة الحياة، فكلاهما مفيد للإنسان.

اختارت الآلهة الملك ليرعى شعبه في المراعي الخصبة مثل قطعان الماشية ويسقيه، وعليه أن يتحمل عبء الرعية كما يفعل الراعي مع الماشية، ومن هنا تبرز فكرة سيطرة الحاكم على الارزاق الممثلة بالنبات والأشجار والمياه والحبوب، ومن هنا تشبيهه بشجرة الحياة، حيث وصف الملوك بشجرة النخيل أو بنبتة الحياة الأبدية أو مجرى الماء الكبير الخ … وفي معظم الأحيان يُصوَّر الملك حاملاً بيده غصن شجرة، كما أن الإنسان صور الكون بشجرة عملاقة، فللشجرة قدرة على التجدد الدائم، وهي ليست رمزاً للكون فقط، بل هي تعبير عن الحياة، وتجدد الشباب والخلود (كما في الميتولوجيا الرافدية ولدى الهنود والعبران)، كما تمثل الشجرة القدرة الكونية، وتحمل بعداً روحياً وتمتلك قوى مقدسة فهي تنمو عامودية وتجدد أوراقها كل سنة، أي أنها تلعب لعبة القيامة، تموت ثم تعود إلى الحياة، وهي بذلك رمز الكون) ([4]).

نستفيد مما تقدم أن شجرة “الخلبو” ترمز لنظام الحياة، الذي أطاح به الطوفان المرموز له بالرياح الجنوبية ([5])، بكل ما ينطوي عليه هذا النظام من فساد أدى لتدميره، أو اقتلاعه. أما رعاية “إنانا”، أو عشتار، لهذه الشجرة فهي تعني أن الدنيا، أو الحياة التي ترمز لها “إنانا”([6]) قد استأنفت تجربة جديدة، أو مسيرة جديدة، سرعان ما اختطفتها قوى الفوضى، والتدمير المتمثلة بالطائر “زو”، والجنية “ليلث”، والثعبان.

يصف “فراس السواح” القوى الثلاث، في تعليق له على الأسطورة ذاتها، بقوله: (ثلاثة كائنات تنتمي إلى قوى العماء والفوضى والموت … فطائر الزو معروف بمقاومته لقوى النظام التي سادت بعد التكوين، وهو لا يدخر وسعاً في خلخلة نظام الكون كلما سنحت له الفرصة … أما ليليث فهي شيطانة جميلة لها أجنحة ومخالب الطير، تنتمي إلى قوى العالم الأسفل وتسكن القفار والخراب. أما الأفعى فإنها لا تظهر هنا كوكيلة للخصب، بل كوكيلة لقوى الفوضى والدمار)([7]).

وبشأن الطائر “زو” هنالك أسطورة سومرية مدارها سرقة هذا الطائر “ألواح القدر” من الإله أنليل، الأمر الذي تتعطل معه الأقدار والنواميس، حتى يتمكن أخيراً الإله “ننورتا”، وفي رواية أخرى “لوكالبندا” من استرجاعها ([8]).

أما الأفعى فهي ترمز كذلك للشر ([9])، وللشيطان، وللشهوات الجنسية، والطاقة الحيوية غير الواعية ([10])

استحواذ قوى الفوضى والتدمير على شجرة “إنانا” يعني امتلاء الأرض بالظلم والجور، الأمر الذي ينتفض له جلجامش، الذي يقتل الأفعى، ويطرد طائر الزو، والجنية ليلث، ويهدي الشجرة لإنانا لتصنع منها كرسياً وسريراً، وهو ما يرمز للعدل والنظام، اللذين تمتلئ بهما الأرض بفضل جهود المنقذ جلجامش.

هذا التفسير، ربما يكون الوحيد المناسب، لاسيما إذا تذكرنا أن الأسطورة تبدأ بمطلع يسلط الضوء على بعض الأحداث المفصلية في تاريخ العالم، وعليه يكون من المناسب أن تعبر قصة شجرة الخلبو عن حدث يحظى بأهمية موازية، كمسألة قضاء جلجامش (المنقذ) على قوى الفوضى والظلم، ونشره العدل والنظام في العالم.

وها هو مطلع أسطورة “جلجامش وشجرة الخلبو”: (في الأيام الأولى، عندما جاءت المشيئة بكل ما يلزم/ … / عندما تم إبعاد السماء عن الأرض/ عندما تم فصل الأرض عن السماء/ عندما تم تعيين اسم الإنسان/ عندما تم اضطلع “آنو” بالسماء عندما حُملت “أريشكيجال” إلى العالم الأسفل غنيمة) ([11]).

المطلع، كما هو ملاحظ، يذكّر ببعض الأحداث الكبرى في العالم من قبيل الخلق، وتقدير الأرزاق، والعالم الآخر، وملكته “أريشكيجال”، وفصل السماء عن الأرض. الأمر الذي يهيئ الأذهان لتوقع حدث مفصلي يناسب الأحداث المذكورة، ولا شك في أن ما سيفعله المنقذ هو من قبيل الأحداث الكبرى، والمفصلية على مستوى التاريخ الإنساني، ولعل مضاهاة ما يفعله المنقذ بحدث الطوفان التطهيري يشير إلى هذه الأهمية البالغة لفعله.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– ينظر: ملحمة جلجامش: ص61. والمعجم المبسط لملحمة جلجامش. وضع وترتيب: داود سلمان الشويلي. مجلة المورد. دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد. مج/ 29 عدد: 3. 2000: ص80. يفسر “عالم سبيط النيلي” اسم جلجامش بـ”عائش”، أو “عياش” وهو اسم “ذي القرنين” كما ورد في بعض الروايات الإسلامية، ومعلوم أن “النيلي” يطابق بين “جلجامش” و”ذي القرنين”. والظريف أنه يعتمد على ما اصطلح عليه “ألفاظ العراقيين اليوم”، بينما المعروف أن الشجرة ترتبط بالذرية، والنسب حتى في “ألفاظ العراقيين اليوم”، فتعبيرات من قبيل “شجرة النسب”، و”شجرة العائلة”، أو ما يعادلها تترد بكثرة على ألسنتهم.

بخصوص ما ذكره “عالم سبيط النيلي” ينظر: ملحمة جلجامش والنص القرآني: ص233.

[2]– هكذا يترجمها الدكتور طه باقر. ينظر: مقدمة في أدب العراق القديم: 227. ويترجمها الدكتور سامي سعيد الأحمد: “الخولوببو”. ينظر: ملحمة كلكامش: ص10. ويترجمها الأستاذ فراس السواح: “الحلبو”. ينظر: الأسطورة والمعنى: فراس السواح. دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة – دمشق. ط2 2001: ص81.

[3]– مقدمة في أدب العراق القديم: ص227 – 228.

[4]– ميثولوجيا وأساطير الشعوب القديمة: حسن نعمة. دار الفكر اللبناني – بيروت 1994: ص28.

[5]– في الفصل الثاني دراسة مفصلة عن الطوفان، تبين علاقته بالرياح الجنوبية.

[6]– سنعرض في الفصل الثالث الأدلة على أن “إنانا”، أو “عشتار” ترمز للدنيا.

[7]– الأسطورة والمعنى: ص86.

[8]– ينظر: مقدمة في أدب العراق القديم: ص131.

[9]– ينظر: الرموز في الفن – الأديان – الحياة: قيليب سيرنج. ترجمة: عبدالهادي عباس. دار دمشق – دمشق. ط1 1992: ص123.

[10]– ينظر: أساطير التوراة الكبرى وتراث الشرق الأدنى القديم: د. كارم محمود عزيز. مكتبة النافذة – مصر ط1 2006: ص175.

[11]– الأسطورة والمعنى: ص81 – 82 )).

 

المصدر: د. عبدالرزاق الديراوي، كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية”.