جلجامش كما تقدمه المصورات / د. عبدالرزاق الديراوي

(( جلجامش كما تقدمه المصورات:

تم العثور على الكثير من المصورات، والتماثيل، تُظهر جلجامش أحياناً في حالة صراع مع أسود أو ثيران، وتظهره أحياناً أخرى في حالة من الحنو، والعطف عليها. هذه العلاقة مع الحيوانات؛ الصراعية مرة، والتعاطفية مرة أخرى، ترمز لمعنى مهم يتعلق بشخصية جلجامش، وطبيعة المهمة الأخلاقية التي يتكفل بإنجازها، يحسن بنا، قبل الخوض في تفاصيله أن نبين، ولو بصورة موجزة، حقيقة الدوافع الأخلاقية التي توجه السلوك الإنساني، كما كشفت عنها الدراسات البيولوجية المعاصرة. وسيكون حديثي في هذا المبحث محدداً بإطار النتائج التي قدمتها البيولوجيا التطورية بالصدد المذكور، وسأبدأ قبل كل شيء بالكلمة التي قالها “إيان تاتيرسول”، وهو في صدد التنبيه إلى الأهمية البالغة لنتائج البيولوجيا التطورية، يقول:

(من المستحيل على البشر أن يفهموا أنفسهم تماماً، أو حتى تاريخهم الطويل ما قبل البشرية، دون معرفة شيء عن العملية (أو بالأحرى العمليات) التي من خلالها أصبح جنسنا البشري الاستثنائي على ما هو عليه، وهذا هو كما يعرف الجميع (تقريبا) ما يدعى بالتطور) ([1]).

أكتفي بكلمة “إيان تاتيرسول” هذه التي أراها تختصر كل جهد يمكن أن يُبذل لتبرير، أو تسويغ طبيعة المعلومات، والأفكار التي يتضمنها هذا المبحث، لأدخل مباشرة في صلب الموضوع.

نظرية التطور ([2]) أصبحت اليوم حقيقة علمية لا يشك فيها إلا متعنت يحاول إخفاء الشمس بغربال، أو رجل قاده سوء فهمه للنظرية، وللنتائج الفكرية، المترتبة عليها – خاصة في ظل التوظيف الايديولوجي لنتائج العلم من بعض المبشرين بالإلحاد – إلى موقف الرفض، والقطيعة غير العلمي ([3])، فعلى العكس مما قد يتصوره الكثيرون، لا يحـتـاج إثـبـات نـظـرية التطـور إلى أكـثـر من أن نفهم أن التـباين، أو الإخـتـلاف الذي نـراه في الطبـيـعة من حـولنا، مع وجود الوراثة التي تنتقل من خلالها الجينات من جيل إلى جيل، وفي إطار الانتخاب الطبيعي الذي يحابي الأصلح في مسألة البقاء، كل ذلك مضافاً له وجود الزمن الكافي ينتج عنه التطور لا محالة([4]).

إذن ملخص ما جاء به دارون، ومن بعده من علماء البيولوجيا التطورية هو: (إن مجموع التمايز بين الأفراد – نتيجة تمايز خرائطهم الجينية مثلاً – مع عملية الانتخاب للطبيعة المحيطة بهم مع الوراثة ينتج تطوراً يتناسب مع تلك الطبيعة المحيطة. وهذه مسألة لا تحتاج أحفوريات لإثباتها، لأنها مسألة قطعية التحقق إذا فهم القارئ معنى تمايز الخرائط الجينية واحتفاظ أو انتقاء الطبيعة للأعراق المفضلة) ([5]).

وعلى الرغم من قرب المسألة من البداهة في ظل وجود العناصر المذكورة، إلا إن علماء البيولوجيا التطورية قدموا الكثير من الأدلة والإثباتات التي تدعم نظرية التطور. فقد قدموا أدلة تشريحية، وجينية، وقدموا سجلاً أحفورياً متكاملاً تقريباً يستعرض مسيرة التطور عبر العصور، وغيرها من الأدلة ([6]).

يصف “جيري إيه كوين” دليلية السجل الاحفوري بقوله: (ما الذي يؤلف دليلاً على التطور في سجل الأحافير؟ هناك عدة أنواع. أولاً، الصورة التطورية الكبيرة العامة: إن تفحصاً خلال التسلسل التام لطبقات الأرض ينبغي أن يُظهر أن الحياة المبكرة كانت بسيطة تماماً مع ظهور أنواع أكثر تعقيداً فقط بعد بعض الدهر. علاوة على ذلك، فينبغي أن المتحجرات الأحدث التي نجدها تكون هي الأكثر شبهاً للأنواع الحية المعاصرة … يقدم هذا السجل صورة واضحة للتغيير، بادئاً بالبسيط ومتقدماً إلى الأكثر تعقيداً) ([7]).

بخصوص بداية الحياة على الأرض يحدثنا “مات ريدلي”، قائلاً: (عندما نعود إلى الوراء قبل أول الديناصورات، وقبل أول الأسماك، وقبل أول الديدان، وقبل أول النباتات، وقبل أول الفطريات، وقبل أول البكتيريا، سنجد أنه كان هناك عالم من رنا ([8]) – ربما في وقت ما منذ حوالي أربعة بلايين عام، سريعاً بعد بداية أول وجود لكوكب الأرض، وعندما كان عمر الكون نفسه هو عشرة بلايين عام فحسب. ونحن لا نعرف ما كانت تبدو عليه “كائنات – الريبو” هذه. ونستطيع فقط أن نخمن ما كانت تعيش عليه بلغة من الكيمياء. ونحن لا نعرف ما الذي أتى قبلها، ولكننا نستطيع إلى حد كبير التأكد من أنها وجدت يوماً ما، وذلك بسبب المفاتيح التي تدل على دور رنا الموجود في الكائنات الحية) ([9]).

هذه الصورة، التي يبدو أن “مات ريدلي” تعمد إضفاء غلالة أسطورية عليها، قد تكفي لشرحها الكلمات الآتية التي كتبها “جيري إيه كوين”: (تطورت الحياة على الأرض تدريجياً من نوع بدائي واحد – ربما جزيء ناسخ لنفسه – والذي عاش منذ أكثر من 3.5 مليار سنة مضت، ثم تفرع خلال الزمن منتجاً أنواعاً متنوعة وجديدة كثيرة) ([10]).

يمكن تقديم قصة موجزة عن البداية بعد حذف الإفتراضات، والتخمينات غير الثابتة علمياً نركز النظر من خلالها على محتويات “الحساء البدائي” من أحماض أمينية انتجت المتضاعفات الأولى، أو البروتين الناسخ لنفسه الذي يمثل الصورة الأبسط للحياة. ومن خلال النسخ المتكرر والخطأ في النسخ حصل التطور والتعقد في الحياة ([11]). والمتضاعفات، أو الجينات، كما نسميها اليوم، لم تعد تكتفي بالوجود، بل استطاعت أن تبني لنفسها آلات تضمن استمرار وجودها متمثلة بأجسادنا ([12]).

ليست الأجساد البشرية فقط هي آلات بقاء تستغلها الجينات لضمان استمرار وجودها، وإنما كل ما نسميه كائنات حية، من حيوان ونبات وحشرات وبكتريا، وسواها ([13]). آلات البقاء هذه تتحكم الجينات بسلوكها، ولكن بطريقة عمل غير مباشرة، يشبهها الدكتور “ريتشارد دوكينز” بمبرمج الكمبيوتر الذي يزود الجهاز بتعليمات، أو خريطة عمل مشفرة، ويترك له مسألة تنفيذها([14]). وطالما كان همّ الجينات الوحيد هو المحافظة على بقائها وعبورها إلى الأجيال اللاحقة فإنها ستشكل سلوك الآلات التي تستغلها بحيث تحقق هذه النتيجة حصراً، أي ضمان استمرار وجود الجينات. فكما يقول الدكتور “ريتشارد دوكنز”: (نحن البشر، وغيرنا من الحيوانات، نكوّن آلات بقاء تولّدها جيناتنا. فعلى غرار عصابات شيكاغو الناجحة، تمكنت جيناتنا من البقاء، على مر ملايين السنين في بعض الحالات، في عالم محكوم بالتنافسية الشديدة. وهذا يخولنا أن نتوقع تحلي جيناتنا ببعض المزايا. ولابد لي من التأكيد أن الأنانية المطبوعة بانعدام الشفقة هي ميزة طاغية يُتوقع توافرها لدى الجينة الناحجة([15]). وفي العادة، ستؤدي أنانية الجينة إلى تعزيز الأنانية في السلوك الفردي) ([16]).

الأنانية هي السلوك المثالي الذي تحقق الجينات عبره وجودها المستمر، ولهذا نجد (أفراد الحيوانات، ومنها الإنسان، عادة يتصرفون بصورة أنانية. فلا يوجد في الطبيعة من يقدم الطعام لغيره، أو يهتم بغيره دون ثمن. فالحيوانات، على المستوى الفردي، لا يطعم بعضها بعضاً، ولا يهتم بعضها ببعض. وفي الطبيعة التصرفات الإيثارية الظاهرية قليلة نسبة إلى السلوك الأناني الفردي. فقد يقدم ذكرٌ الطعام وبناء عش لأنثى لأنه يريد أن يمرر جيناته إلى جيل لاحق من خلال تلقيح بيوضها التي تستثمر الأنثى فيها غذاء الجنين عادة) ([17]).

إن جولة في فصول كتاب “الجينية الأنانية” ([18]) تضعنا إزاء العديد من الستراتيجيات السلوكية التي تنتهجها آلات البقاء، بتخطيط من الجينات الأنانية، قد يبدو بعضها إيثارياً، مثل رعاية الأبوين لصغارهما، أو المساعدة التي تقدمها بعض الكائنات الحية للآخرين، لكن الحقيقة شيء آخر. فجميع هذه السلوكات تحكمها أنانية الجينات التي تسعى لتحقيق المنافع الخاصة ببقائها، إما بالعبور إلى جيل لاحق، كما في حالة إنجاب الصغار، والعناية باستمرار حياتهم، فالصغار ليسوا سوى آلات بقاء جديدة تستغلها الجينات، أو بتوقع الحصول على مقابل في حالة تقديم مساعدة للآخرين.

(لو نظرنا حولنا سنجد لدى بعض الحيوانات سلوكاً إيثارياً في بعض الأحيان، فممكن أن نشخص مثلاً سلوك الآباء والأمهات تجاه أبنائهم، وسلوك عاملات النحل تجاه الملكة والعاملات الأخرى والخلية ككل، ولكن هل هذا سلوك إيثاري حقيقي، أم أن ظاهره سلوك إيثاري، أما حقيقته فهو سلوك أناني جيني؛ حيث إنه مبني على أنانية جينية ومحاباة الطبيعة وتفضيلها لبقاء الأجساد التي ضمت هذه الجينات التي تسبب هذا السلوك الإيثاري، أي مداراة الأهل للأبناء، وتوفير الطعام لهم وتضحية الشغالات لأجل حماية الخلية والملكة وأخواتها. فهذه الجينات كانت تحمل صفة النجاح للمرور والإستمرار والبقاء، فالحقيقة البايولوجية أن الأب والأم يدارون الأبناء لأن هناك جينة في تركيبتهم الجينية تدفعهم لهذا (من خلال تأثيرها في بناء الجهاز العصبي، أو الدماغ، أو الغدد والهرمونات مثلاً)، وأن أحد أسباب نجاح تركيبتهم الجينية في الانتشار والبقاء هو وجود تلك الجينة التي تدفعهم لهذا السلوك الإيثاري. أما كيف تنتفع تركيبة جينات الأهل من الأبناء في البقاء والاستمرار، فهذا يمكن تفسيره ببساطة حيث إن الأبناء يحملون جينات الأهل بنسبة معينة، فطفل الإنسان مثلاً يحمل نصف جينات أبيه، ونصف جينات أمه. إذن، فالأهل الذين تحتوي تركيبتهم الجينية لجينات إيثار الأبناء وتوفير كفايتهم ليتمكنوا من الوصول إلى سن البلوغ والتكاثر سيحققون – هؤلاء الأهل – دوام جيناتهم في الأجيال اللاحقة وبقاءها. إذن فهذا النوع من الإيثار (إيثار الأهل للأبناء) أصله جيني أناني – أي بنته أنانية الجينات المفترضة – وليس إيثاراً حقيقياً) ([19]).

لاشك في أن المشهد يبدو غائماً تماماً، فالجينة الأنانية – على ما يبدو – أطاحت بأسمى ما كنا نتصوره من مُثل، وأوضحت بقسوة بالغة أن السلوك الإنساني – وهو ما يهمنا هنا – مبني في الغالب على دوافع أنانية. ولكن لا، فثمة مساحة شاسعة ورائعة يمكن من خلالها تحقيق المعنى الحقيقي، والوحيد للإنسانية، تلك هي مساحة الإيثار الحقيقي المحايد. والمقصود بالإيثار الحقيقي المحايد هو الإيثار الذي لا ينتظر صاحبه منفعة تعود عليه في العاجل، ولا في الآجل، وهو، بالتالي، سلوك لا يمكن تعليله بيولوجياً، بوصفه سلوكاً يسير بالضد تماماً من أنانية الجينات.

(يمكن لأنانية الجينات أن تعلل الصفة الإيثارية لكائن تجاه كائن آخر متى ما كانت التضحية تجلب فائدة لجيناته أكبر، وحتى بغض النظر عن علاقة القربى بينهما. فيمكن أن يعلل إيثار الأهل لأبنائهم جينياً، وأن الجينات التي تؤدي هذه الوظيفة ستكون مفضلة وقادرة على البقاء بصورة أكبر من الجينات الأخرى التي لا تسمح بإيثار الأهل لأبنائهم أو لا تشجعه، وبنفس الطريقة يمكن أن نعلل السلوك الإيثاري للأخ الأكبر تجاه أخيه الأصغر، أو للأبناء تجاه أهلهم، ويمكن أن نعلل تنظيف بعض الحيوانات لبعضها البعض، أو حتى إطعام الخفافيش مصاصة الدماء لجيرانها؛ لانها تتوقع فائدة مستقبلية وإن كانت بصورة غير واعية.

ولكن لا يمكن لنظرية الجينة الأنانية أن تعلل تضحية شخص لإنقاذ شخص آخر غريب عنه أو لطفل غريب عنه أو إعطاء شخص طعامه، أو الماء الذي لديه لآخرين مع أنه بحاجة إليه؛ لأنه في مثل هكذا حالات إن كان نصيب المؤْثر الهلاك أو على الأقل عدم القدرة على تكثير جيناته الخاصة أو تقليل فرصه فستكون خسارته الجينية أكبر من ربحه في الجينات المشتركة مع الذي قام بإنقاذه أو أعطاه طعامه أو آثره على نفسه عموماً) ([20]).

إذن، ما الذي يدفعنا لمثل هذا السلوك المضاد لأنانية جيناتنا؟ لابد، في الحقيقة، من افتراض تدخل عنصر آخر في المعادلة، وهو هنا عنصر الروح حتماً.

(معنى أن الجينات أنانية هو أن الأجساد لا يمكن أن تسلك سلوكاً إيثارياً مضاداً لأنانية الجين، فالجين من حيث إنه أناني حريص على بناء أجساد تضمن بقاءه وانتقاله عبر الأجيال، ولهذا فقانون الجين الأناني لا يسمح للميمات ([21]) المضادة له – ميمات الإيثار الحقيقي – والتي تسعى للقضاء عليه بالمرور في الطبيعة، فوجود الإنتخاب الطبيعي سيجعل مرورها مستحيلاً حيث إن أي فرد أو مجموعة تتحلى بها سيكون مصيرها الهلاك والفناء وبالتالي فناء هذه الصفات الإيثارية الحقيقية، واستحالة تواجدها في الطبيعة … نحن نتصف بالأنانية كصفة أصيلة مترسخة في أجسادنا وأدمغتنا، ولهذا فالإيثار الحقيقي يحتاج ثورة حقيقية كبرى على الجسد ليكون له وجود معتد به بيننا كما هو الواقع اليوم، فنحن سواء كنا – كأفراد – نمارس أم لا نمارس الإيثار الحقيقي نتفق بغالبية كبيرة على أنه هدف سامٍ، وصفة محبوبة نتمنى الاتصاف بها، وهذا التمني ليس وليد اليوم بل هو مسجل منذ أول عصور التدوين لدى الإنسان، أي منذ الإنسان السومري. وهذا يعني أن هناك ثورة إنسانية حقيقية حصلت قبل آلاف السنين على الجسد، وعلى أنانية الجسد، ولا يمكن تفسير هذه الثورة علمياً على الجسد فقط، بل إنه أمر مستحيل كما بينت، ولهذا فنحن عند هذه المرحلة مضطرون لإدخال النفس والروح في المعادلة لحل هذه المعضلة) ([22]).

إن تصنيف السلوك الإيثاري المحايد في خانة الأعمال الممدوحة، على الرغم من شهادة الواقع – وللأسف – بأن من يمارسه هم القلة القليلة فقط، ليدل بلا شك على الجهود الجبارة التي بذلها أبطال الإيثار الحقيقي من الأنبياء والأوصياء والصالحين، على مستوى القدوة والتثقيف. إذ لا يشك أحد أن النصوص الدينية هي التي تبنت هذا السلوك منهجاً، وثقافة ([23]).

إن جلجامش، وهنا بيت القصيد، هو أحد هؤلاء الأبطال بنظر الشعب السومري، والشعوب الأخرى التي أُعجبت به، واحتفظت بمصوراته وقصصه. وإذا كانت الطبيعة الأنانية لجيناتنا تمثل بذرة الشر التي تتولد عنها كل المفاسد والشرور، فإن الإنقاذ الحقيقي لابد أن يتركز، قبل كل شيء، على تخليص الإنسانية من أسر الأنا الثقيل، أو بتعبيرات موازية: تحرير الروح من سطوة الجسد، أو المادة، وانتشال الإنسان من واقعه الأخلاقي المتردي، وهلم جرا ([24]).

هذه الحقيقة تعبر عنها ببلاغة كبيرة الصور والنقوش والتماثيل التي تجسد جلجامش. فقد مرّ بنا تمثال جلجامش، المنصوب في مدخل قصر الملك الآشوري سرجون الثاني، وهو يحمل في إحدى يديه أسداً، وفي الأخرى عصا لولبية، ويتوسط زوجاً من الكائنات التي تجمع جسم ثور، أو أسد، ورأس إنسان، وأجنحة نسر، وهذه الكائنات لها وظيفة دينية هي أنها تحرس قصر الملك من الشياطين والأرواح الشريرة ([25]).

ومر بنا كذلك ما ذكره الدكتور طه باقر عن الأختام الأسطوانية، حيث قال: (من الأختام الأسطوانية التي يجدر ذكرها بهذا الصدد ختمٌ نقش بصورة بطل يصارع أسداً وفيه كتابة باسم صاحب الخاتم يسمى “أور –  كلكامش”، أي خادم أو صاحب كلكامش. كما عُثر على ختم عليه اسم الملك الأكدي “شار كالي – شاري” وفيه صورة البطل كلكامش وفي رأسه القرون التي كانت من شارات الألوهية) ([26]).

إن الجمع بين صورة جلجامش وصور الكائنات الأخرى ذات الوظيفة الدينية، كما في حالة التمثال المنصوب في مدخل القصر الآشوري، والحرص على حضور ما يرمز إلى الألوهية، كما في الأختام، ويمكن أن نضيف إليهما الاهتمام الذي يبديه الملوك([27]) بهذه الصور، كل هذا يدل بلا أدنى شك على أن ثمة مرموزات دينية، أو أخلاقية تتعلق بهذه الصور، خاصة بعد أن علمنا أن جلجامش شخصية دينية يقدسها العراقيون القدماء. ولعل هذا المعنى يؤكده شيوع هذه الصور بين العراقيين ملوكاً ورعية، وانتشارها كذلك في أماكن أبعد من نطاق الرقعة الجغرافية لبلاد الرافدين. فالعراقيون القدماء، بوصفهم شعباً متديناً، يحملون هذه الصور، على الأرجح من أجل الحصول على البركة، الأمر الذي يعززه حملها على أغراض مهمة كالأختام، التي تستعمل – عادة – في المراسلات بين الملوك والكبراء، وفي المعاملات التجارية، وهي مجالات تستدعي الاستعانة بالقوى الخيرة من أجل التسديد، ودفع المكروه.  

يخبرنا “دياكونوف” بأن العلاقة الصراعية بين جلجامش والحيوانات تُعد واحدة من أكثر الموضوعات شيوعاً في فن الأختام السومرية ([28])، ويؤكد الدكتور طه باقر هذا المعنى حين يتحدث عن الشهرة التي حظي بها جلجامش ورفيقه أنكيدو، بقوله: (إن هذين البطلين لم تقتصر شهرتهما في العالم القديم على القصص والملاحم بل إنهما مثلا في فن حضارة وادي الرافدين، ولاسيما في فن النحت والأختام الاسطوانية. ففي أختام عصر فجر السلالات (2800 – 2400 ق.م) نشاهد تمثيل بطل وهو يصارع الحيوانات المفترسة وقد عين هذا البطل أنه جلجامش) ([29]).

ويشترك معهما مؤرخ تاريخ الفن العراقي القديم الدكتور حسن الباشا حين يشير إلى عثور المنقبين على عدد من الأختام التي تجسد صراع جلجامش مع أسود وثيران، وكائنات أخرى خرافية، على حد وصفه([30])، وأحسبها كانت شياطيناً، فقد مرّ بنا – وسيأتي حديث عن هذا المعنى – أن صور جلجامش كانت تستعمل كرقيات من الشياطين.

وبالنسبة للبلاد الأخرى كتب “شارل فيرلو”: (لقد عرف المصريون – في الزمن القديم – الشخصية التي نحن بصددها. إذ عثر في وادي النيل، في جبل الأراك على مدية شفرتها من صوان لا من معدن، ومقبضها من عاج تحمل على أحد وجهيها صورة رجل قائم ممسك بكل وقار ثورين واحد عن يمينه، والآخر عن يساره. وهذا منظر نشاهده على عدد كبير من الآثار البابلية ويمثل عادة “جلجامش” في صراعه مع الحيوانات المتوحشة) ([31]).

وفي حفائر “ماري” عُثر على لوحة يصور الشق الأعلى منها جلجامش وهو يقبض على ثورين([32]).

الصورة التي يعرف المصريون من خلالها جلجامش، أي صورة الرجل الوقور الذي يمسك ثورين، تشعر حتماً بأن المصريين ينظرون للعلاقة التي تجمع جلجامش بالحيوانات من منظور أعمق كثيراً من دلالاتها الحسية التي يمكن أن تتبادر لبعض الأذهان. فمن المستبعد جداً أن يكونوا يفهمون العلاقة على أنها تعبر – على سبيل المثال – عن القوة الجسدية لجلجامش السومري، أو بسالته، فمثل هذه الدلالات غير قابلة للتبادل الثقافي بين أمم ذلك الزمان، في أقل تقدير، بوصفها تمجد بطلاً من أمة أخرى، وبالتالي تشعر الأمة التي استقبلت الرمز البطولي بأنها عاجزة عن صنع نماذج بطولية مماثلة. من هنا فإن الأمم، حينما تعجب بنماذج بطولية من أمم أخرى، تعمد إلى صنع نسخ قومية لها، أي إنها تضفي هويتها القومية على النماذج، ولا تستوردها على أنها تمثل أمماً أخرى. فأوديسيوس بطل الأوديسة هو، إلى حدٍ بعيد، جلجامش نفسه بعد أن ألبسه الإغريقيون ثوباً يونانياً محلياً، ومنحوه اسماً وطنياً، ومثل هذا يقال بشأن البطلين الإغريقيين المشهورين “هرقل”، و”أخيل” ([33]).

إن الدلالة القابلة للتبادل الثقافي بين الأمم، من دون أن تتسبب بخدش كبرياء الأمة المتلقية هي تلك التي تمتلك بعداً عالمياً، ومثل هذه الدلالة هي بالضبط ما تدل عليه صور جلجامش.

والواقع إن دلالة بعض الصور على نمط علاقة بين جلجامش والحيوانات يغاير النمط الصراعي ينفي بقوة الدلالة الحسية المتمثلة بتعبير الصور عن قوة جلجامش الجسدية، أو عن بسالته. فمن بين الصور التي عثر عليها صورٌ منقوشة على أختام تُظهر جلجامش كمحامٍ، ومدافع عن الحيوانات ([34]). ويذكر صاحب كتاب “تاريخ الفن” أن السومريين صوروا جلجامش في بعض اللوحات باسطاً إحدى يديه على ظهر ثور يربت عليه، ويمسك بالأخرى مقود ثور هائج يكبح جماحه ([35])، ويذكر في موضع آخر من كتابه إنه عُثر على ختم من العصر الأكدي نقش عليه شريط عريض يمثل نهراً يمر بين جبلين، وثمة جاموستان ضخمتان ترفعان رأسيهما وجلجامش يسقيهما ([36]).

إن الدلالة التي يمكن أن يطمئن لها الباحث تتمثل في أن الصور التي تجسد علاقة جلجامش بالحيوانات ترمز لدوره بوصفه مخلصاً وظيفته انقاذ البشرية من سطوة القوى الحيوانية التي تتحكم بسلوكاتها، فهو يحنو على الحيوانات البشرية مرة، ويصطرع معها مرة أخرى، من أجل ترويضها والرقي بها للمستوى الإنساني اللائق.

إن قراءة في التراث السومري تضع أمامنا، وبقوة، فكرة أن السومريين كانوا يدركون تماماً الصراع المستحكم بين الأخلاق ذات المنشأ الحيواني، أو الجسدي، والأخلاق ذات المنشأ الروحي. بل دعوني أقولها بكلمة واحدة صريحة؛ إن السومريين كانت لديهم فكرة ناضجة – تأخرنا نحن كثيراً قبل إدراكها – عن الكيفية التي وُجد فيها الإنسان على هذه الأرض، وكيفية تطور الحياة حتى بلوغها الصورة الأكمل المتمثلة بالكائن البشري.

في ملحمة اتراحاسيس يصور الشاعر السومري عملية الخلق بالصورة الآتية:

(سوف يُجندل أحد الآلهة

ومن جسده، وبدمائه

فلتمتزج قبضة طين!

وليتحد حقاً الإلهي والبشري

ممزوجين في الطين!

فلنسمع أبداً طرقات القلب

فليعش العقل في جسد الإله

فليعرف الحيُّ آية حياته

وليتذكر دوماً أنه يمتلك عقلاً) ([37]).

يشير النص إلى أن الإنسان خلق من جزء إلهي، وآخر مادي هو الطين، ومعنى هذا، بتعبير أوضح، إن الله عز وجل خلق النفس، أو الروح، ثم بعد أن تطورت الحياة بالطريقة التي تصفها نظرية التطور، وأصبحت جاهزة لاستقبال النفس، أو الروح ([38]) حدث الاتحاد بين الإلهي والبشري، على حد تعبير القصيدة. وهناك قصيدة سومرية تؤكد ما قلته، وهي قصيدة تتحدث عن قصة خلق الإنسان، ورد فيها خطاب الإلهة “نمّو”، الإلهة الأم لولدها الإله “أنكي” ([39]):

(يا بني قم من فراشك ومن … واعمل ما هو حكيم لائق

اصنع عبيداً للآلهة، وعساهم يضاعفون من عددهم).

فيجيبها الإله “أنكي” قائلاً:

(يا أماه إن المخلوق الذي نطقت باسمه موجود

فاربطي عليه صورة الآلهة).

الإلهة الأم تطلب من ولدها أن يصنع عبيداً للآلهة الذين تذمروا من العمل الشاق الملقى على كاهلهم، فقررت الآلهة خلق البشر لينوبوا عن الآلهة في الأعمال الشاقة، والنص صريح في أن المخلوق الذي أرادت الآلهة خلقه موجود سلفاً، لا ينقصه سوى الاتصال بالروح (صورة الآلهة).

من هنا فلا أظنه دقيقاً قول الدكتور يوسف حبي الآتي، إذا كان يقصد منه، وهو المرجح، أن السومريين يقولون بنظرية الخلق من الطين دفعة واحدة، أي من دون تطور، يقول: (وبخلاف الأساطير البابلية التي تجعل خلق الانسان من دم إله أزعج الآلهة الأخرى فانتقمت منه، نجد الأساطير السومرية، وهي الأقدم، ترجع أصل الإنسان إلى الطبيعة، وبالضبط إلى الطين. وقد اقتبست التوراة هذه الفكرة، فأثبتتها في سفر التكوين) ([40]).

السومريون، وإن كانوا يقولون بأن الإنسان قد خلق من طين، يعتقدون بأن هذا الطين قد اتصلت به الروح بعد أن بلغ مرحلة من النضج تؤهله لهذا الاتصال. فهم لم يكونوا يعتقدون بنظرية الخلق دفعة واحدة، وإنما كانوا يعتقدون بالتطور، وإنْ كانوا يفهمونه بصورة مجملة، وقولهم بأن الإنسان خلق من طين لا يعارض نظرية التطور باعتبار أن المادة الحية خلقت من مواد موجودة في الأرض، أو الطين.

يقول الدكتور “محمد بيومي مهران” بخصوص تصور السومريين لمسألة الخلق، ووجود الإنسان:

(طبقاً لأسطورة سومرية، فإن الإله أنليل إنما قد شق الأرض بفأس، ليخرج منها الناس، كما يخرج النبات)([41]). وهذا يتفق مع نظرية التطور التي تؤمن بتطور الحياة من الأبسط، إلى الأكثر تعقيداً.

لعل الأسطورة السومرية التي يشير لها الدكتور “محمد بيومي مهران” هي الآتية:

(السيد الإله “إنليل” قد جعل كل ما هو نافع يبدو ناصعاً

السيد الذي تقريره للمصير لا يمكن أن يتغير

قد أسرع لفصل السماء عن الأرض، وقد أسرع لفصل الأرض عن السماء.

وبعد ذلك جعل في “أوزو – مو” الإنسان الأول يظهر

وحفر شقاً في الأرض، وفي منطقة دور إنكي

وخلق المعول، وعندها انتهى النهار

وقرر واجبات العمل وقرر المصير

وبينما كان يثبت مقبض المعول ومقبض سلة العمل

مجد الإله إنليل معوله (أي الذي خلقه)

وجلب المعول إلى “أوزو – إيا”

ووضع بدايات البشرية في الشق

وعندما بدأ البشر يظهر مثل الحشيش من الأرض

كان الإله إنليل مرتاحاً إلى شعبه السومري

… الخ) ([42]).

يقول الدكتور فوزي رشيد: (مدينة نُفّر كانت مدينة دينية وفكرية وتمثل نواة لمدرسة فكرية عُرفت باسم “مدرسة نفر”، وكانت هذه المدرسة تؤمن بأن الإله الخالق للكون والإنسان هو الإله “اينليل”، وأن البشر ظهروا من الأرض مثلما يظهر الحشيش منها، وأن البشر الأوائل كانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم وما كانوا يعرفون الملابس ولا أكل الخبز، بل كانوا يعلفون العشب ويشربون الماء من السواقي) ([43]).

الفقرة الثانية من نص الدكتور فوزي المتعلقة بشبه البشر الأوائل بالحيوانات يشاركه فيها كثير من الباحثين أمثال “شارل فيروللو” ([44])، والدكتور أسامة عدنان يحيى، الذي تحدث عن الأصل السومري لكلمة “لوللو” (LULLU) التي تعني الإنسان البدائي، أو الإنسان المتوحش، وقرر استناداً لبعض النصوص أن العراقيين القدماء كانوا يتصورون الإنسان البدائي شبيهاً بالحيوان ([45])، ومن بين النصوص التي استند عليها، ما ورد في أسطورة “الماشية والغلة”:

(مثل البشر لما خُلقوا أول مرة

لم يعرف الانوناكي أكل الخبز

ولم يعرفوا لباس الحلل

كانوا يأكلون النبات بأفواههم كالأغنام

ويشربون الماء من الجداول) ([46]).

وكذلك النص الآتي الوارد في ملحمة جلجامش:

(حالما سمعت اورورو ذلك غسلت يديها

لقد تصورت في لبها صورة لانو

غسلت اورورو يديها

وأخذت قبضة من طين ورمتها في البرية

وفي البرية خلقت اينكيدو القوي

نسل ننورتا

يكسو جسمه الشعر الكث

وشعر رأسه كشعر المرأة

ونمت فروع شعر رأسه جدائل كشعر نيسابا

لا يعرف الناس ولا البلاد

ويلبس لباساً مثل سموقان

ومع الظباء يأكل العشب

ويتدافع مع الوحوش عند مساقي الماء) ([47]).

أعتقد أن هذه النصوص – وسيأتي غيرها، في حينه – كافية لتدل على أن فكرة تطور الحياة كانت واضحة لدى السومريين، ومن هنا وجدنا “ترافيموف” يقول: (في ملحمة “جلجامش” – ولأول مرة في مجمل الأدب العالمي – نلتقي بفكرة نشوء الإنسان من عالم الحيوان، مع فكرة حضارة الجنس البشري. تروي الملحمة نشأة الإنسان من الظبية وحمار الوحش:

“مع الظباء يأكل الأعشاب

مع الحيوان يستقي من مورد الماء

مع القطعان يطيب لبه بالماء”) ([48]).

النص الذي استشهد به “ترافيموف” يخص أنكيدو، وفي الملحمة نص آخر يخص أنكيدو، لعله أكثر وضوحاً. فعندما مرض أنكيدو خاطبه جلجامش، قائلاً:

(يا أنكيدو إن أمك ظبية، وأباك حمار الوحش

قد زوداك …

ولقد رباك من لهم ذيول الماشية) ([49]).

السومريون، بالنتيجة، يملكون تصوراً عن أصل، وحقيقة الحياة البشرية أنضج، وأصح مما يملكه كثير جداً من أبناء زمننا هذا، ليس فقط بقدر تعلق الأمر بما تقوله نظرية التطور، وإنما بقدر اتصاله، كذلك، بالعلاقة بين الروح، أو الجزء الإلهي، والجسد، أو الجزء المادي، وما يترتب على هذه العلاقة من مفاعيل أخلاقية.

لا غرابة، إذن، إذا قلنا: إن السومريين، الذين عرفوا هذه الحقائق من أنبيائهم، أو معلميهم الإلهيين، يدركون جيداً طبيعة الأخلاق الإنسانية، ودور الصالحين، ومنهم المنقذ الإلهي في ترشيدها، والرقي بها، وبالنتيجة تتمثل دلالة المصورات التي ذكرناها بالرمز لهذا المعنى.

إن خطورة هذا الأمر من جهة – إذ لا يخفى على المطلعين الجدلُ المحتدم بشأن تطور الإنسان من أصول أدنى، ولعل الكثير جداً من المثقفين المسلمين، وغيرهم ينظرون لما تقوله نظرية التطور بشأن الإنسان على وجه الخصوص على أنه ضرب من التجديف، أو حديث خرافة في أقل تقدير -، ولتوضيح الإشارات التي وردت في التراث السومري، والعراقي القديم، التي أوردناها فيما تقدم، من جهة أخرى، تقتضي إلقاء نظرة، وإن كانت سريعة، وموجزة، على ما تقوله نظرية التطور بخصوص نشأة الإنسان الحديث، والمراحل التي قطعها في مسيرته التطورية.

يقول “ه. ج. ولز”: (الرأي السائد بين العلماء هو أن الإنسان انحدر من أسلاف أدنى منه مرتبة، شأنه في هذا شأن سائر الثدييات، وأنه والقردة الكبيرة، ومنها الشمبانزي والأورانج أوتانج Orang-Outang والغوريلا كان لها جميعاً يوماً ما جدٌّ مشترك، وأن هذا الجد قد تطور من أشكال أدنى منه أيضاً، أي من نمط من أنماط الثدييات القديمة، انحدر هو أيضاً من أزاحفة ذات هيئة حيوانية، وهذه نفسها انحدرت أيضاً من سلسلة البرمائيات، وهذه بدورها من الأسماك البدائية) ([50]).

إذن كما سمعنا من “ه. ج. ولز” تتحدث نظرية التطور عن جد، أو أصل مشترك بين الإنسان الحديث (الهومو سابينس)، والقردة العليا، فالإنسان لم يتطور عن القرد الموجود الآن كما يحلو لأعداء نظرية التطور أن يشنعوا ([51]).

من أجل إثبات الأصل المشترك بين الإنسان، والقردة العليا كانت أهم العلامات التي استرشد بها العلماء؛ حجم المخ، والمشي بانتصاب، وأموراً أخرى، ولعل حجم المخ هو الأكثر أهمية، كما يفهم من بعض عبارات العلماء، يقول “كولين تادج، وجوش يونج”: (من الناحية التشريحية، يُعد حجم المخ بالنسبة إلى الجسد الشيء الذي يجعل الإنسان الحديث مختلفاً تماماً عن الحيوانات الأخرى؛ ذلك أن مخ الإنسان الحديث يتراوح ما بين 1350 ملليميتراً، مقارنة بحوالي 450 ملليميتراً في “الشمبانزي”، الذي يعد أقرب ما لدينا من أقرباء ما زالوا على قيد الحياة) ([52]).

من هنا سنسمع علماء البيولوجيا يتحدثون عن أسلاف للإنسان الحديث يملكون مخاً أصغر مما يمتلكه الإنسان الحديث “الهوموسابينس”، ولكنه – وهو المهم – أكبر من ذلك الذي تمتلكه القردة العليا. ولعله سيكون واضحاً بالنتيجة إن الأسلاف المفترضين سيتدرجون في سلم الرقي بحسب درجة قربهم، أو بعدهم من الإنسان الحديث. ولهذا يصطلح علماء البيولوجيا على الدرجات البعيدة قياساً بالإنسان الحديث مصطلح “المخلوقات الشبيهة بالإنسان”، أو “الإنسان القردي”، أو “القرد الشبيه بالإنسان” ([53]).

جدير بالملاحظة إن علماء البيولوجيا لا يملكون اتفاقاً إجماعياً على زمن ظهور عائلة أسلاف الإنسان، ففي الستينيات من القرن المنصرم ظهر اعتقاد واسع بأن بعض الأحافير المتشظية من الهند وكينيا، التي يبلغ عمرها من 12 – 14 مليون سنة، قد تكون بقايا طلائع بشرية، وهناك في المقابل علماء يتحدثون عن تاريخ لا يتعدى الخمسة ملايين سنة مضت، أو سبعة ملايين ([54]). وعلى مستوى أنواع الجنس البشري التي وجدت في الماضي، يعبر صاحبا كتاب “الحلقة المفقودة” بقولهما: (وبالنسبة إلى جنسنا البشري – الإنسان – فقد تطور نسبياً مؤخراً بالنسبة إلى المقاييس الجيولوجية، ولكننا نعلم أنه يوجد نصف دستة على الأقل من أنواع جنس الإنسان في الماضي، ويرجح بعض علماء الحفريات أنه في ذلك الوقت الوجيز، كان هناك عشرون نوعاً أو أكثر)([55]).

أول من تم اكتشافه من هؤلاء الأسلاف هو “الآرديبيثكوس”، الذي قُدر زمن وجوده، أول مرة، بـ “4.4” مليون سنة مضت، وأعيد تقييم هذا التاريخ ليُحدد بـ “5.8” مليون عام، وهو تاريخ قريب من الانقسام المفترض بين البشر والقردة ([56]).

بعد “الآرديبيثكوس” هناك “الأسترالوبيثيكوس” الذي يملك مخاً أكبر من مخ القرود، إذ يترواح حجمه بين “600 – 750” ملليمتراً، ولم يكن طوله يتجاوز متراً واحداً، وكان يستعمل الأدوات الحجرية، وهناك فصائل متعددة منه، بعضها رشيق، والآخر غليظ ([57]). و”الأسترالوبيثيكوس”، بحسب “إيان تاتيرسول” وغيره، يعد أقدم سلف للإنسان نعرف أنه كان يمشي منتصباً بشكل مؤكد ([58])، وإن لم يكن اعتمادها على القدمين في السير تاماً ([59]). وبحسب “صول تاكس” لم يكن لدى”الأسترالوبيثيكوس” الذين يصفهم بـ “الكائنات البدائية الشبيهة بالبشرية” إلا بوادر لغوية، وقدرات أولية على عمل الآلات، وغيرها ([60]). ومن الناحية المورفولوجية كان هؤلاء يكيفون أنفسهم للاعتماد على طرفين بدلاً من أربعة ([61])، وكانت انحناءات عمودهم الفقري مماثلة لما لدى الإنسان، وإن كانت عظام الوجه تدل على أوصاف القرود ([62]).

بدايات سلسلة البشر، كما يعبر صاحبا “الحلقة المفقودة” تنطلق مع “هومو إركتس”، أو “الإنسان المنتصب” الذي يماثل البشر الحديثين في الطول والبنية، ويتراوح حجم مخّه بين (900 – 1100) ملليمتر. وكان يستعمل النار، وهو أول من غادر أفريقيا ([63]). ويُقدر الزمن الذي كان “الهومو إركتس” موجوداً فيه بحدود المليوني عام مضت ([64]).

نشأ عن “هومو إركتس”، قبل حوالي (800 – 600) ألف سنة، فرع أكثر رقياً هو “هومو هايدلبيرغ”، كان يملك دماغاً كبيراً، مكنه من صناعة الرمح واصطياد فرائس كبيرة ([65]). ويبدو أن شِبْه الإنسان “هومو هايدلبيرغ” لم يكون قادراً على النطق الواضح البين، وربما كان له جسم ضخم جداً، وأطراف أمامية كبيرة ([66]).

تطور “هومو هايدلبيرغ” إلى “النياندرتال” الذي انقرض قبل 24 ألف عام تقريباً ([67])، ويعود تاريخ “النياندرتال” إلى نحو مائتين وخمسين ألف عام مضت، وقد عاش في منطقة الشرق الأوسط، وأوربا. وكان يتصف بالوحشية، والغباء، وكان شكله مفزعاً ([68]). وقد وُجدت الكثير من المخلفات العائدة للنياندرتال، لأنه كان يدفن موتاه، ويدس في القبور بعض الأدوات والطعام. ويتميز النياندرتال الأوربي، بجمجمة كبيرة، أكبر حتى مما لدى الإنسان الحديث، ولكن الأنموذجان الأفريقي، والفلسطيني منه يملكان جمجمة أصغر ([69]). وكما يستنتج بعض الباحثين إن النياندرتال قد بلغوا مستوى من التطور عرفوا من خلاله التمركز بصورة جماعات، فقد شوهدت جراحات في بقاياهم العظمية تدل على على ضربات قاسية بواسطة الرماح، نتجت عن نشوب حرب جماعية منظمة ([70]).

عاصر النياندرتالَ الإنسانُ الحديث “هومو سابينس”، الذي نشأ قبل 200 ألف سنة تقريباً منشقاً عن “هومو إركتس”، أو “هومو هايدلبيرغ”، وتكامل حتى بلغ شكله الحالي قبل 100 ألف عام تقريباً ([71]). وقد استوطن هذا الإنسان أوربا قبل 30 ألف عام ([72])، ثم حل مكان النياندرتال الذي انقرض قبل ما يقرب من 24 ألف عام.

بعد هذا العرض المختصر لمراحل تطور الإنسان ينبغي أن يكون واضحاً إن ما ورد في التراث السومري خصوصاً، والعراقي القديم عموماً إنما هو حصيلة معلومات تناقلتها أجيالهم، جيلاً فجيلاً، ولعل لأنبيائهم؛ كآدم ونوح وإدريس (عليهم السلام)، وغيرهم، دوراً كبيراً في تعريفهم بهذه الحقائق ([73]). وبالنتيجة، فإن ما تعكسه فنونهم من صور الصراع بين جلجامش والحيوانات إنما يُقصد منه التعبير عن الصراع الحقيقي الذي يعيشه الإنسان في كل زمان ومكان بين ما هو مادي، وحيواني يجرّه إلى الأسفل، ويبعده عن إنسانيته الحقيقية، وبين ما هو روحي، وإلهي يتسامى به، ويقترب به من إنسانيته الحقيقية. بالتأكيد سيكون لجلجامش، بتصور العراقي القديم، دور مفصلي في هذا الصراع، حمله على ربطه، أي ربط الصراع، وعَنْوَنَتِه بجلجامش، ولعل أسطورة “جلجامش وشجرة الخلبو” تلقي ضوءاً يكشف عن طبيعة الدور العتيد أن يضطلع به جلجامش.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– العالم من البدايات حتى 4000 قبل الميلاد: إيان تاتيرسول. ترجمة: د. حازم نهار. هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة. ط1. أبو ظبي 2011: ص11.

[2]– تنقسم نظرية التطور إلى قسمين، أو نظريتين منفصلتين تقريباً؛ الأولى “نظرية النشوء” التي مهمتها تفسير نشوء الحياة على الأرض من المادة غير الحية، أما الثانية فهي “نظرية التطور، أو الارتقاء” التي تقع عليها مهمة تفسير تطور الحياة وارتقائها، ونشوء الأنواع، وما إلى ذلك.

[3]– لا يخفى على أحد أن إطارنا الثقافي يعيش حالة من السبات المعرفي المرعب بخصوص نظرية التطور، ونتائجها وانعكاساتها المعرفية، وعليه يكون من المناسب – على الأرجح – إلقاء حجر في الواقع الراكد ليلتفت إلى أن ما سنقدمه من نتائج تتعلق بحقيقة السلوك البشري إنما هي حقائق علمية مبرهنة، وليست تهويمات كما قد يتصورها بعض من لم يفهم نظرية التطور.

[4]– ينظر: الجديد في الانتخاب الطبيعي: ريتشارد دوكنز. ترجمة: د. مصطفى ابراهيم فهمي. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2002: ص10، وينظر: الميمياء، نظرية تطورية في تفسير الثقافة: د. منى أحمد عبود. بيسان للنشر والتوزيع ط1 2008: ص37.

[5]– وهم الإلحاد: ص 75 – 76.

[6]– ينظر: نفسه: 81 وما بعدها، و85 وما بعدها، و92 وما بعدها.

[7]– لماذا النشوء والتطور حقيقة: جيري. إيه. كوين. ترجمة: لؤي عشري: ص40 – 41. متاح على:

http://www.mediafire.com/?rb0ruw72uzbqb2r

[8]– الرمز الانكليزي المشهور لها هو: RNA.

[9]– الجينوم: مات ريدلي. ترجمة: د. مصطفى إبراهيم فهمي. سلسلة عالم المعرفة الكويتية. عدد 275. 2001: ص25.

[10]– لماذا النشوء والتطور حقيقة: ص19.

[11]– ينظر الجينة الأنانية: ريتشارد داوكينز. ترجمة: تانيا ناجيا. دار الساقي – بيروت. ط1 2009: ص28 وما بعدها.

[12]– ينظر: نفسه: ص34.

[13]– ينظر: نفسه: ص37.

[14]– ينظر: نفسه: ص83 وما بعدها.

[15]– الجينة الناجحة هي التي تسجل حضوراً أكبر في الجمعية الجينية، وتنجح بالتالي بالمرور إلى الأجيال اللاحقة.

[16]– نفسه: ص11.

[17]– وهم الإلحاد: ص279.

[18]– ينظر على سبيل المثال: ص179 وما بعدها، وص197 وما بعدها، وص221 وما بعدها، وص269 وما بعدها.

[19]– وهم الإلحاد: ص279 – 280.

[20]– وهم الإلحاد: ص281.

[21]– الميم في الثقافة كالجين في البيولوجيا، فإذا كان الجين يمثل المعلومات الوراثية المنقولة في الكروموسومات، فإن الميم هو ثقافة معينة تتناقلها الكائنات وتتعلمها من بعضها البعض، أفراداً وجماعات، جيلاً بعد آخر. والميمات عبارة عن ثقافة معينة (مفردات لغوية، لباس، سلوك، أفكار ..الخ) تُسنسخ بين افراد المجتمع الحيواني، أو الإنساني، ويمثل الدماغ آله حفظها واستنساخها، ونقلها، وهو بمثابة حاوية “الحساء الأولي” بالنسبة لها. وقد وضعت هذه النظرية لتفسير التطور الثقافي للإنسان بطريقة انتقال الميم المفضل بين الأفراد. ينظر: وهم الإلحاد: 287 وما بعدها. وللمزيد بخصوص النظرية يحسن الإطلاع على: الجينة الأنانية: ص309 وما بعدها. والميمياء: د. منى أحمد عبود. وهو كتاب مختص بعرض النظرية.

[22]– وهم الإلحاد: ص306.

[23]– ينظر: نفسه: ص283.

[24]–  وصف أحمد الحسن جلجامش بعبارة “منقذ النوع الانساني من حيوانيته” وهم الالحاد: ص373.

[25]– ينظر: تاريخ الفن في العراق القديم: ص90 وما بعدها.

[26]– ملحمة كلكامش: ص62.

[27]– غير الملوك المذكورين في المتن عُثر على منحوتات تجسد صراع جلجامش مع الحيوانات على ختم “لوكالبندا” حاكم مدينة “لكش”، وتوجد كذلك صورة لجلجامش وهو يصارع الثور الوحشي على قيثارة أور الشهيرة، التي عُثر عليها في مقبرة الملكة السومرية “شبعاد”. ينظر: الإنسان في أدب وادي الرافدين: ص90 – 91.

[28]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص12.

[29]– ملحمة كلكامش: ص62.

[30]– ينظر: تاريخ الفن في العراق القديم: ص111.

[31]– أساطير بابل وكنعان: ص38.

[32]– ينظر: تاريخ الفن، الفن العراقي القديم: د. ثروت عكاشة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت: ص232.

[33]– بخصوص الشبه الكبير بين البطلين ينظر: أساطير بابل وكنعان: ص51 وما بعدها، وملحمة جلجامش: طه باقر: ص56. وملحمة كلكامش: د. سامي سعيد الأحمد: ص24 وما بعدها. والبطولي في أساطير الشرق القديم وملاحمه: عبدالرحمن العابد. رسالة دكتوراه قدمت لقسم اللغة العربية جامعة سانت كليمنت 2010. ص115 وما بعدها. متاح على: tclements.edu/grad/gradabda.pdf

[34]– ينظر: صورة جلجامش – أنكيدو: د. محمود عجمي جاسم الكلابي. مجلة نابو للبحوث والدراسات – جامعة بابل. العدد الرابع 2009 ص166 وما بعدها.

[35]– ينظر: تاريخ الفن، الفن العراقي القديم: ص124.

[36]– ينظر: نفسه: 272.

[37]– أسرار الآلهة والديانات: أ. س. ميغوليفسكي. ترجمة: د. حسان مخائيل اسحق. منشورات دار علاء الدين – دمشق ط4 2009: ص28 – 29.

[38]– ينظر: وهم الالحاد: ص153.

[39]– من ألواح سومر: ص199.

[40]– الإنسان في أدب وادي الرافدين: ص14 – 15.

[41]– تاريخ العراق القديم: ص96.

[42]– متون سومر: خزعل المادي. منشورات الأهلية – عمان / الأردن. ط1 1998: ص168.

[43]– سرجون الأكدي: د. فوزي رشيد: ص30.

[44]– ينظر: أساطير بابل وكنعان: ص22.

[45]– ينظر: الآلهة في رؤية الإنسان العراقي القديم: د. أسامة عدنان يحيى. دار الصداقة للنشر الالكتروني: ص180. متاح على: www.alsdaqa.com/dar/upload_file/3004761276720292.pdf

[46]– الآلهة في رؤية الإنسان العراقي القديم: ص180. ومتون سومر: ص169، وقد تُرجمت فيه بالصورة الآتية: (البشر الأوائل لم يعرفوا أكل الخبز بعد / ولم يعرفوا ارتداء الملابس / وكانوا يسيرون على أيديهم وأرجلهم / وكانوا كالخراف يعلفون الحشيش / ومن القنوات يشربون الماء). وكذلك: من ألواح سومر: ص202.

[47]– الآلهة في رؤية الإنسان العراقي القديم: ص181.

[48]– أقدم المثل الجمالية والفنية في ملحمة جلجامش: ب. س. ترافيموف. مطبوع مع جماليات ملحمة جلجامش: مصدر سابق: ص168.

[49]– ملحمة جلجامش: ص213.

[50]– معالم تاريخ الإنسانية: هـ. ج. ولز/ المجلد الأول. ترجمة عبدالعزيز توفيق جاويد. الهيئة المصرية العامة للكتاب. ط3 ص80.

[51]– نتيجة الفهم المغلوط لنظرية التطور، يتوهم الكثيرون أنها تذهب إلى أن الإنسان تطور عن القرد! ولعل فهمهم المغلوط هذا حفزهم على محاربة النظرية بقوة باعتبار القضية أصبحت متعلقة “بفضيحة عائلية” كما يعبر “هـ. ج. ولز”. ينظر: المصدر السابق: ص80. وبالنسبة لرجال الدين من الديانات الثلاثة تجديف.

[52]– الحلقة المفقودة: كولين تادج. ترجمة مروة هاشم. هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث “كلمة” – أبو ظبي. ط1 2011: ص245.

[53]– ينظر على سبيل المثال: معالم تاريخ الإنسانية: ص87.

[54]– ينظر: العالم من البدايات حتى 4000 قبل الميلاد: ص67 وما بعدها.

[55]– الحلقة المفقودة: ص173.

[56]– ينظر: نفسه: ص252.

[57]– ينظر: نفسه: ص252 وما بعدها. وينظر: متى وكيف ظهر الإنسان العاقل: د. عبدالجليل جواد. بحث منشور في مجلة سومر: ص35. متاح على: http://www.abualsoof.com/inp/view.asp?ID=122

[58]– ينظر: العالم من البدايات: ص74.

[59]– ينظر: تنينات عدن، تأملات عن تطور ذكاء الإنسان: كارل ساجان. ترجمة: سمير حنا صادق. المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة. ط1 2005: ص61.

[60]– ينظر: البدائية: تحرير أشلي مونتاغيو. ترجمة: محمد عصفور. سلسلة عالم المعرف الكويتية. عدد 53 – مايو 1982 ص104.

[61]– ينظر: نفسه: ص106.

[62]– ينظر: أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية: د. موريس بوكاي. ترجمة: فوزي شعبان. المكتبة العلمية: ص97.

[63]– ينظر: الحلقة المفقودة: ص254.

[64]– ينظر: وهم الإلحاد: ص55.

[65]– ينظر: نفسه: ص115.

[66]– ينظر: معالم تاريخ الإنسانية: ص89.

[67]– ينظر: وهم الإلحاد: ص115.

[68]– ينظر: الحلقة المفقودة: ص264.

[69]– ينظر: متى وكيف ظهر الإنسان العاقل: ص39 وما بعدها. وينظر كذلك: البدائية: ص112.

[70]– ينظر: البدائية: ص113.

[71]– ينظر: وهم الإلحاد: ص115.

[72]– ينظر: متى وكيف ظهر الإنسان العاقل: ص43.

[73]– سنعرف في مستقبل هذه الدراسة أن السومريين هم ورثة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام. وبشأن إخبارات خلفاء الله بهذا الأمر، وردت روايات في مصادر الحديث الإسلامية، منها ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن محمد بن مسلم قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عز وجل آدم أبا هذا البشر وخلق ذريته منه…الخ). الخصال: الشيخ الصدوق. صححه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري. منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية – قم 1403 هـ: ص359.

وروى الشيخ الصدوق كذلك بسنده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان الله تبارك وتعالى لما أحب ان يخلق خلقا بيده، وذلك بعد ما مضى من الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة قال: ولما كان من شأن الله ان يخلق آدم للذي أراد من التدبير والتقدير لما هو مكونه في السماوات والأرض وعلمه لما أراد من ذلك كله كشط من أطباق السماوات، ثم قال للملائكة انظروا إلى أهل الأرض من خلقي من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا لله وأسفوا على الأرض ولم يملكوا غضبهم ان قالوا: يا رب أنت العزيز القادر الجبار القاهر العظيم الشأن وهذا خلقك الضعيف الذليل في أرضك يتقلبون في قبضتك ويعيشون برزقك ويستمتعون بعافيتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب العظام، لا تأسف ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك لما تسمع منهم وترى، وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه فيك. فلما سمع الله عز وجل ذلك من الملائكة قال: إني جاعل في الأرض خليفة لي عليهم، فيكون حجة لي عليهم في أرضي على خلقي، فقالت الملائكة: سبحانك، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، وقالوا: فاجعله منا فإنا لا نفسد في الأرض ولا نسفك الدماء، قال جل جلاله يا ملائكتي إني أعلم مالا تعلمون إني أريد أن أخلق خلقا بيدي أجعل ذريته أنبياء مرسلين وعبادا صالحين وأئمة مهتدين أجعلهم خلفائي على خلقي في أرضي ينهونهم عن المعاصي وينذرونهم عذابي ويهدونهم إلى طاعتي ويسلكون بهم طريق سبيلي، وأجعلهم حجة لي عذرا أو نذرا وأبين النسناس من أرضي فأطهرها منهم … الخ). علل الشرائع – الشيخ الصدوق: ج1. منشورات المكتبة الحيدية – النجف 1385 هـ / 1966 م: ص104 – 105 )).

 

المصدر: د. عبدالرزاق الديراوي، كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية”.