إصابة الواقع والأحكام الظاهرية في الفكر الاجتهادي / د. علاء السالم

هل يصيب المجتهدون أحكام الله دائماً ؟

بنى المجتهدون هذه القضية على تحقيق السؤال التالي: هل لله سبحانه في كل واقعة حكم، أم لا ؟

فمنهم من قال بالتصويب: أي أن المجتهد يصيب اجتهاده الواقع دائماً،

ومنهم من قال بالتخطئة: أي أن المجتهد قد يصيب حكم الله وقد يخطئه، ولكنه إن أصاب فله أجران وإلا فأجر واحد عند مجتهدي العامة، ومأجور عند الإصابة ومعذور عند عدمها عند مجتهدي الشيعة.

وقد يستغرب أحد من السؤال المطروح، بعد قول الله تعالى في كتابه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [1]، وبكل تأكيد أنّ كل واقعة يفترضها الذهن البشري في أي زمن، يوجد لها حكم إلهي يبينه خلفية الله (الهادي) لأهل ذلك الزمان، قال تعالى عن حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله): (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) [2].

عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا وقد أنزله الله فيه) [3].

وعنه (عليه السلام) أيضاً أنه قال: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة) [4].

وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قيل له: أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه أو تقولون فيه ؟ قال: (بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه) [5].

وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) يصف فيه الجامعة التي تضم أحكام الشريعة، فيقول: (فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش) [6].

هذا، ولكن لنرى ماذا يرى المجتهدون فيها:

يحكي الشهيد الصدر رحمه الله رأي من قال بالتصويب من العامة، فيقول: (ومن هنا نشأ السؤال التالي: ما هو مدى حظ المجتهدين المختلفين من إصابة الواقع؟ فهل يعتبرون جميعاً مصيبين ما دام كل واحد منهم قد عبَّر عن اجتهاده الشخصي؟ أو أنّ المصيب واحد فقط والباقون مخطئون؟ وقد شاع في صفوف مدرسة الرأي القول بأنهم جميعاً مصيبون؛ لأنّ الله ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفر فيها النص، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدي إليه رأيه واستحسانه، وهذا هو القول بالتصويب)[7].

ونقله الرازي في محصوله، فقال عن المسألة التي يجتهد فيها المجتهد: (.. فإن لم يكن لله تعالى فيها حكم فهذا قول من قال كل مجتهد مصيب، وهم جمهور المتكلمين منا كالأشعري والقاضي أبي بكر ومن المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم وأتباعهم ..) [8].

وحيث إنّ كل المجتهدين يصيبون على هذا الرأي، بل ليس لله حكم إلا ما حكم به المجتهد، فاجتهادهم إذن كله صحيح ولو نطحت الآراء بعضها بعضاً، وذكروا وجوهاً لإثبات ذلك ونحن في غنى عن تسطيرها هنا.

ولكن بعض المجتهدين قال بالتخطئة، قال المناوي: (“إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب” أي طابق ما عند الله “فله أجران” أجر لاجتهاده وأجر لإصابته … “وإذا حكم فاجتهد فأخطأ” أي ظن أنّ الحق في نفس الأمر من جهة فكان خلافه “فله أجر واحد” على اجتهاده؛ لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة) [9].

وهو أمر من الوضوح بمكان يغني عن التطويل بذكر الشواهد له، وعلى هذه الشمّاعة علقت قبائح الكثير من أسلافهم بدعوى اجتهادهم، فليس فقط لا يلامون على مخالفة كتاب الله وسنة حبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) فقط، بل يؤجرون على تلك المخالفة لاجتهادهم !

وعلى أي حال، رفض علماء الشيعة القول بالتصويب بالمعنى المتقدم، وقال بعضهم – كصاحب الكفاية – بالتصويب بمعنى آخر، قال بعد رد التصويب السني ما يلي:

(إلا أن يراد التصويب بالنسبة إلى الحكم الفعلي، وأنّ المجتهد وإن كان يتفحص عما هو الحكم واقعاً وإنشاءً، إلا أن ما أدى إليه اجتهاده يكون هو حكمه الفعلي حقيقة، وهو مما يختلف باختلاف الآراء ضرورة، ولا يشترك فيه الجاهل والعالم بداهة، وما يشتركان فيه ليس بحكم حقيقة بل إنشاء، فلا استحالة في التصويب بهذا المعنى، بل لا محيص عنه في الجملة) [10].

ولا أعرف حقيقة بماذا يمكن التعليق على مثل هذه الكلام الذي قلب الحقيقة رأساً على عقب، فصار حكم الله الواقعي ليس حكماً حقيقياً، وما يؤدي إليه نظر المجتهدين هو الحقيقي والفعلي في حقه !!

وعلى أي حال، فقد رفض جمهور مجتهدي الشيعة القول بالتصويب:

قال صاحب المعالم: (وأما الأحكام الشرعية فإن كان عليها دليل قاطع فالمصيب فيها أيضاً واحد والمخطئ غير معذور، وإن كانت مما يفتقر إلى النظر والاجتهاد فالواجب على المجتهد استفراغ الوسع فيها ولا إثم عليه حينئذ قطعاً بغير خلاف يعبأ به. نعم، اختلف الناس في التصويب، فقيل: كل مجتهد مصيب، بمعنى أنه لا حكم معيناً لله تعالى فيها، بل حكم الله تعالى فيها تابع لظن المجتهد، فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم الله فيها في حقه وحق مقلده. وقيل: إن المصيب فيها واحد؛ لأن الله تعالى فيها حكماً معيناً، فمن أصابه فهو المصيب، وغيره مخطئ معذور. وهذا القول هو الأقرب إلى الصواب. وقد جعله العلامة في النهاية رأي الإمامية) [11].

وقال العلامة الحلي: (“في تصويب المجتهد”: الحق أن المصيب واحد، وأن لله تعالى في كل واقعة حكماً معيناً، وأنّ عليه دليلاً ظاهراً لا قطعياً. والمخطئ بعد الاجتهاد غير مأثوم، لأن .. القول بغير طريق باطل بالإجماع) [12].

ولكن، لماذا يعذر المجتهد في حالة خطئه حكم الله، فهل الجهل براءة أم خطيئة إلا ما عفا عنه الشارع بدليل ؟

بل من يقول إنه مأجور في حال إصابة حكم الله فضلاً عمّا لو أخطأه ؟

وأيضاً: من يقول لا يوجد طريق آخر غير الاعتراف والتسليم لهذا الواقع المفروض من قبل المجتهدين ؟

ثم من هم المجمعون عليه ؟!

أسئلة تستحق الإجابة، وبالنسبة لهم – أعني المجتهدين – تجاهلوها ولم يعيروا لها أدنى اهتمام.

 

فكرة الأحكام الظاهرية .. لماذا ؟

ابتداءً، غير خافٍ على الجميع قول الإمام الصادق (عليه السلام): (الحكم حكمان: حكم الله عز وجل، وحكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية) [13].

وقوله (عليه السلام): (من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز وجل ممن له سوط أو عصا فهو كافر بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله) [14].

وقبله القرآن، الذي يؤكد أنّ:

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

(وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [15].

هذه النصوص الشريفة تؤكد بكل وضوح أنّ لله تعالى حكماً أنزله على خلفائه وهو ثابت عندهم، ومن أخطأه ولم يحكم به فقد حكم بحكم الجاهلية، وانطبقت عليه الأوصاف المذكورة في الآية.

قال الشيخ الطوسي بعد رده لتصويب العامة: (والذي أذهب إليه – وهو مذهب جميع شيوخنا المتكلمين المتقدمين والمتأخرين وهو الذي اختاره سيدنا المرتضى قدس الله روحه، وإليه كان يذهب شيخنا أبو عبد الله رحمه الله – أنّ الحق في واحد وأن عليه دليلاً من خالفه كان مخطئاً فاسقاً) [16].

فبماذا حلَّ المجتهدون مشكلة تشريع الأحكام بظنونهم في حالة عدم إصابتها حكم الله الثابت عند أهله صلوات الله عليهم ؟

هنا اقترح المجتهدون فكرة “الأحكام الظاهرية” التي يتوصّل إليها المجتهدون وفق المصادر المعتمدة عندهم في التشريع والتي منها العقل، فكل ما تعلّق به ظن المجتهد من حكم فهو حكم الله الظاهري في حقه وحق مقلديه، وقد يصيب حكم الله الواقعي وقد يخطئه.

أما كيف؟ قالوا: إنّ عقولنا تدرك أنّ الحكم الواقعي لسنا بمعاقبين على مخالفته لو حصلت المخالفة؛ لأننا غير عارفين به، فلا يبقى مجال إلا القول بأنّ الحجة على المكلف وما يجب عليه العمل به هو الحكم الظاهري الذي يستنبطه المجتهد من الدليل بأحد الوجوه التالية [17]:

إما بالقول بأنّ الدليل – سواء كان شرعياً أو عقلياً – قد اعتبره الشارع طريقاً للحكم الواقعي، ونزّل ظن المجتهد بمضمون الدليل منزلة العلم به. أو بالقول بأنّ الشارع قد جعل مصلحة وفائدة في نفس ما ظنه المجتهد من الدليل، وهي مصلحة يُتدارك بها ما يفوت من مصلحة الحكم الواقعي المضيَّع. وهذا التبرير لخطأ المجتهدين لم يرتضه بعضهم؛ لأنه يعني أنّ أحكام الله ومصالحها تابعة لآراء المجتهدين، فكل رأي اجتهادي ينشأ على طبقه حكماً من الأحكام. وهو نفسه التصويب التي قالت به المعتزلة، فرفضه بعض مجتهدي الشيعة ولم يقبل به.

وذهب بعضهم إلى القول بأنّ المصلحة في نفس السلوك الذي يخطوه المجتهد والمنتج للحكم الظاهري، وأما نفس الحكم فلا مصلحة فيه، وهو المعروف عندهم بالمصلحة السلوكية[18].

وغيرها من الوجوه الأخرى التي صوروها، وجميعها تشترك في أنها تقوّلات وتخرصّات لا دليل شرعي عليها، واكتفى كل منهم بادعاء دلالة العقل على محاولته، ولا تدري أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بعقل أي مجتهد تأخذ ؟!

ويبقى كتاب الله وروايات عدله الطاهرين (عليهم السلام) واضحة جلية في اعتبار كل ما سوى حكم الله حكماً جاهلياً، فكيف لم يكن ذلك رادعاً بنظرهم للكف عن التشريع بغير علم، واعترافهم بإمكانية مخالفتها لحكم الله تعالى ؟!!

والحمد لله وحده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– النحل: 89.

[2]– الرعد: 7.

[3]– الكافي: ج1 ص59 ح1.

[4]– الكافي: ج1 ص59 ح4.

[5]– الكافي: ج1 ص62 ح10.

[6]– الكافي: ج1 ص239 ح1.

[7]– المعالم الجديدة للأصول: ص39.

[8]– المحصول: ج6 ص33.

[9]– فيض القدير: ج1 ص425.

[10]– كفاية الأصول: ص469.

[11]– معالم الدين وملاذ المجتهدين: ص242.

[12]– مبادئ الوصول: ص244.

[13]– الكافي: ج7 ص407.

[14]– الكافي: ج7 ص407 ح1.

[15]– الآيات في سورة المائدة: 44، 45، 47.

[16]– عدة الأصول (ط . ج): ج2 ص726.

[17]– انظر: أصول الفقه للمظفر: ج2 ص307، فما بعد.

[18]– انظر: فرائد الأصول: ج1 ص527، وزعم الشيخ الأنصاري بأنه عند فقدان طريق العلم بالحكم فانّ نهي الشارع عن سلوك الطريق الظني الخاص – كظن المجتهد مثلاً – لأجل احتمال الخطأ فيه قبيح عقلاً.