جلجامش وصورة المنقذ / د. عبدالرزاق الديراوي

(( صورة المنقذ:

قد يبدو وصف جلجامش بالشخصية العالمية، ومثله وصفه بالشخصية الدينية المقدسة وصفاً شاحباً بلا ملامح محددة، أو وصفاً كلياً، كما سبق القول، ولكن هذا ليس كل شيء. فالآثار الواصلة بشأن شخصية جلجامش تمنحنا صورة أشد وضوحاً وأكثر تفصيلاً، وبالتحديد تمنحنا أن نستدل منها على أن العمق الحقيقي لشخصية جلجامش العالمية، والمقدسة يحدد صورة له تطابق بينه وبين المنقذ الذي لا تكاد تخلو أمة من الأمم من وجود ذكر، أو بشرى متعلقة به.

إن ملحمة جلجامش نفسها هي الأنموذج الأمثل الذي قدم من خلاله العراقيون القدماء صورة المنقذ، ولكنني لا أريد الدخول إليها مباشرة، فبظني يحتاج الأمر إلى أن نلج أبواباً، ونقطع بعض الممرات المهمة، ليكون وصولنا إلى فضاء الملحمة الرحيب منطقياً، ومفهوماً، وخالياً، قبل كل شيء، مما قد يحسبه البعض نوعاً من القفز في الفراغ.

إذن سيتأجل موضوع التحديد الدقيق، أو قل تحديد المضمون الفكري المعين، لفكرة المنقذ، لاستحضار المقدمات التي أرى أن من الضروري بمكان أن تشكل جزء من لوحة المنظور.

سأعرض المقدمات بطريقة تتحرى التراتبية في الانتقال بين الأفكار والموضوعات، وعبر اقتراح عنوانات جانبية تنظم سير العمل، وتيسره في آن واحد، وسأبدأ قبل كل شيء بتطمين مفاده إن ما قلته عن شيوع قصة المنقذ بين المجتمعات الإنسانية، وترنمها به، وهو موضوع هذا المبحث، حقيقة لا مجال لغير الاعتراف بها. إذ لا تكاد تخلو ديانة من الديانات، ولا مجتمع من المجتمعات البشرية من وجود قصة عن المنقذ، تتناقلها الأجيال، جيلاً بعد جيل، وغالباً ما تنضاف لها تفاصيل وتتمظهر بصور، وصيغ شتى، ولكنها دوماً تحتفظ بالإطار الاصل الذي يمنحها هويتها كقصة، أو حلم بالمخلّص.

هذه الفكرة يعبر عنها الأسعد بن علي قيدارة، بقوله:

(باستقراء التاريخ الديني والثقافي للإنسانية نجد أنّ مفهوم المخلّص ومبدأ الخلاص قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، وإن كانت تختلف فيما بينها في حدود هذا المفهوم وعمقه وتفاصيله ومشخّصاته) ([1]).

ويعبر عنها عالم سبيط النيلي بشمولية أوسع، بقوله: (يؤكد الباحثون في التاريخ وعلم الاجتماع يوماً بعد آخر أن فكرة وجود منقذ للبشرية هي فكرة عامة تظهر بشكل أو بآخر في المجتمعات الإنسانية، رغم اختلافها الشديد وتباينها في الثقافة والقومية والدين … إن المهدوية تظهر في الديانة اليهودية من خلال التبشير (بالمسيح اليهودي) وعند العالم المسيحي بالمسيح نفسه عيسى بن مريم (عليه السلام)، وعند المسلمين بالمهدي المنتظر الذي يعاونه المسيح (عليه السلام). وتظهر المهدوية أيضاً في الديانات الهندوسية والبوذية وعند الحكماء والفلاسفة القدامى والمحدثين، مثل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في [المدينة الفاضلة] و [الملة الفاضلة]، والفيلسوف الإنجليزي توماس مور في [يوتوبيا] أو جزيرة طوبي، وأمثال هذه المدن الفاضلة والجمهوريات المثالية لا حصر لها فهناك [إتلانتا الجديدة] لفرنسيس بيكون و [المدينة المسيحية] ليوهان، [ومدينة الشمس] لتوماز كامبلا وجزيرة كونفيسشيوس لحكيم الصين وغيرها . والأسماء التي وضعوها لهذه الملة أو المدينة ليست خيالية تماماً ، بل قائمة على تصورات يؤيدها العلم والدين والآثار) ([2]).

وعلى مستوى التفاصيل يتحدث المستشرق جولدتسيهر عن عقيدة “الفايشنافاش” الهندية الذين يؤمنون بعودة منقذهم “فيشنو” الذي يجيء في نهاية العصر الحاضر ليعاقب الأشرار ويجازي الأخيار([3])، ويخلص “أرياس” أي الهند، من حكامها الظلمة، المتمثلين بالفاتحين المسلمين ([4]). كما إنهم (قد ذكروا منقذاً موعوداً في كتبهم، ككتاب “مهابهاراتا” وكتاب “بورانه­ها”، وقالوا: تذهب الأديان جميعاً الى أنه في نهاية كلّ مرحلةٍ من مراحل التأريخ يتجهُ البشرُ صوبَ الإنحطاط المعنوي والأخلاقي وحيث يكونون في هبوط فطري وابتعاد عن المبدأ، ويمضون في حركتهم مضيَّ الأحجار الهابطة نحو الأسفل، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا نهايةً لهذه الحركة التنازلية والهبوط المعنوي والأخلاقي، إذاً فلا بدَّ من يومٍ تظهرُ فيه شخصيةٌ معنويةٌ على مستوىً رفيع تستلهمُ مبدأ الوحي وتنتشلُ العالمَ من ظلمات الجهل والضياع والظلم والجور) ([5]).

وللهنود عقيدة بـ “كريشنا” شبيهة للغاية بعقيدة المسيحيين بالمسيح “عيسى”، أو “يسوع” بحسبهم، فهو مثله تماماً حلّ فيه الإله حلول اللاهوت بالناسوت، وهو كذلك قدم نفسه فداء للبشرية عن خطيئتها الأولى، وصلب على جذع شجرة، وصعد إلى السماء، بعد أن هبط إلى جهنم. وهناك تفاصيل أخرى تتشابه بها الشخصيتان لا أهمية لذكرها هنا، ولكن المهم أن نذكر أن “كريشنا” كما هو الحال مع المسيح (عليه السلام) سيجيء في “اليوم الآخر” بهيئة فارس مدجج بالسلاح ليحاسب الناس ([6]).

أما المصريون القدماء فقد ظهرت في كتابات حكمائهم عقيدة المنقذ، فكانوا يؤمنون بظهور شخصية قدسية تعيد السلام والعدل للأرض بعد أن تمتلئ بالفساد والظلم ([7]).

ولشدة تعلقهم بفكرة المنقذ، فقد ألبسوا الإسكندر الذي حررهم من الهيمنة الفارسية لبوس المخلص، فأشاعوا أنّه ثمرة زواج الإله “آتون” الذي تقمّص جسد الأب والآلهة “أولمياس”، وبعد موت الإسكندر حاول بطليموس أن يبدو في نظر المصريين بقداسة الإسكندر، فلقّب نفسه “سوتر” ولكنّه فشل، إذ كانت تنقصه أسطورة الأمل الإلهي، فظلّ المصريون مشدودين إلى قادم يزيل عنهم الظلم. وهذا الانتظار تضخّم في نظر بعض المؤرِّخين فعزا معه سبب اعتناق المصريين للنصرانية إلى أنّ عيسى سوف يرجع ليحكم العالم ويرفع عنه الظلم بعد أن يقضي على الظالمين ([8]).

والبوذيون من جهتهم يعتقدون بأن بوذا – وهو أبو البشرية بزعمهم – سوف يظهر مرة أخرى عندما يرى عودته ضرورية ([9])،وهو “بوذا الخامس” المنتظر عندهم الذي يصطلحون عليه بـ “المولود الوحيد ومخلّص‌العالم”([10]).

وقد ورد في إنجيل بوذا: (يا أولادي ثقوا إني أنا أبوكم وبواسطتي نجوتم من الآلام والأوجاع. أنا نفسي وصلت إلى الشاطئ الآخر لأساعد الآخرين على اجتياز ساقيه .. فأنا المخلص المنقذ، اطمئنوا لأني سأنقذ الآخرين وأقودهم إلى مقر الراحة. لقد ولدت في هذا العالم ملكاً للحقيقة لكي أخلص العالم) ([11]).

أخيراً، يذكر “فالح مهدي” أن أهل “التبت” البوذيين يعتقدون بأن “دالاي لاما” تجسيد حي لبوذا المنتظر ([12]).

أما الزرادشتيون ففي كتبهم أخبار كثيرة عن ظهور مجدد اسمه “بهرام شاه” يعيد للديانة الزردشتية رونقها القديم، ولظهوره علامات([13]). ويقول الدكتور ميرزا محمد إن في كتب بعض علماء الزردشتيين المتأخرين (قبل الإسلام) ما يشير إلى ظهور رجل كبير، ومصلح عظيم في آخر الزمان اسمه “شُوت”، وهو يجري مجرى المهدي المنتظر عند المسلمين ([14]). بل إن بعض كتبهم مثل كتاب “أوستا” و”زند” و”جاماسب” وغيرها تتحدث عن موعود مرتقب وهو بحسبهم الموعود الثالث ويلقبونه “سوشيانت المنتصر” ([15]).

وتتلخص الفكرة الرزدشتية ([16]) بأن الخير والشر يرجع كل منهما إلى إله، أو سبب أوّل، فإله الخير هو “أهورامزدا” وإله الشرّ هو “أهرمان”، وهو المسؤول عن شرور العالم والأمراض والموت والغضب. والتاريخ ساحة صراع بين الخير والشرّ، أو بين أهورامزدا وأهرمان، أما دور الإنسان فيتحدّد بكونه فاعلاً في هذا التغيير من خلال المساهمة في التغلّب على الشرّ الأهرميني. والتاريخ ينقسم – بحسب الزردشتية – إلى أربع حقب، تمتد كل منها ثلاثة آلاف سنة، وسيظهر المنقذ “ساونشيان” الذي يولد من عذراء ستظهر في بحيرة كاسنويا وسيحصل التجديد النهائي من تضحية ساونشيان الذي يأتي لتجديد الحياة في النهاية الحياة، وتمحى في زمانه جميع الشرور، ويخلق عالم جديد.

أما في الديانة اليهودية فقضية المنقذ كانت الشغل الشاغل لليهود، وقد بشر به أنبياؤهم، وكان انتظاره حلماً تقرحت عيونهم شوقاً إليه، شأنهم في ذلك شأن المسلمين، والشيعة منهم على وجه الخصوص. أما النصوص المبشرة بالمنقذ لديهم فكثيرة جداً ، أذكر منها ما ورد في سفر أشعيا:

(1وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، 2وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. 3وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ، فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ، 4بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ … 10وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ، إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ، وَيَكُونُ مَحَلُّهُ مَجْدًا)([17]).

وفي حجى: (وَأُزَلْزِلُ كُلَّ الأُمَمِ. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأُمَمِ، فَأَمْلأُ هذَا الْبَيْتَ مَجْدًا، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ) ([18]).

أما الديانة المسيحية فقد وردت في مصادرها نصوص كثيرة تبشر بالمنقذ، منها ما ورد في الإنجيل: (3وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلاَمِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا ؟ وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ … 29«وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. 30وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. 31فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا) ([19]).

والمسيحيون على العموم يؤمنون بالمجيء الثاني للمسيح في آخر الزمان ([20])، وقد مر في النصوص السالفة ذكر لبعض العلامات التي تسبق مجيئه.

بخصوص المصادر الإسلامية، لا مبالغة إذا ما قلت إن حديث المنقذ، أو المهدي لا يضاهيه حديث فلا يكاد يخلو كتاب حديثي، أو كلامي من ذكره، ولأن الأمر غني عن البيان، اكتفي بنقل بعض الأحاديث:

روى الشيخ الصدوق: (سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول لما أنشدت مولاي الرضا قصيدتي التي أولها: مدارس آيات خلت من تلاوة … بكى الرضا (عليه السلام) بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الامام؟ ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا سيدي إلا إني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلا فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جورا وظلما) ([21]).

وأخرج الشيخ الطوسي بسندين عن مالك الجهني، عن الأصبغ بن نباتة، قال: (أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدته ينكت في الأرض ، فقلت له : يا أمير المؤمنين ما لي أراك مفكرا تنكت في الأرض؟ أرغبة منك فيها؟ قال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا قط ، ولكني تفكرت في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملؤها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، يكون له حيرة وغيبة تضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون قلت: يا مولاي فكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين .فقلت: وإن هذا الامر لكائن؟ فقال: نعم كما أنه مخلوق، وأنى لك بهذا الامر يا أصبغ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة، قال :قلت: ثم ما يكون بعد ذلك؟ قال: ثم يفعل الله ما يشاء فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات)([22]).

وروى الشيخ المفيد مرسلاً، إرسال المسلمات، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قوله: (لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلا من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا) ([23]).

وورد في مسند أحمد: (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج وأبو نعيم قالا ثنا قطر عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل قال حجاج سمعت عليا رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث الله عز وجل رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورا) ([24]).

وأخرج الهيثمي عن قرة بن إياس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتملأن الأرض ظلما وجورا فإذا ملئت جورا وظلما بعث الله رجلا مني اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملؤها عدلا وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً فلا تمنع السماء شيئاً من قطرها ولا الأرض شيئاً من نباتها يلبث فيكم سبعاً أو ثمانياً أو تسعاً يعني سنين) ([25]).

بعد هذا العرض للبشارة بالمنقذ كما وردت في تراث الأمم، والأديان المختلفة، وثبوت أن قصته هي القصة الأثيرة لدى البشر في مختلف بلدانهم وأزمانهم، وعلى الرغم من اختلاف آرائهم الدينية، والاعتقادية، لا أحسب أن أحداً يمكنه أن يستثني السومريين، أو حتى أن لا يتوقع وجود قصة عن المنقذ تتناقلها أجيالهم، خاصة إذا علمنا – وكما سيتم إثباته – أنهم ورثوا التراث الذي تركه فيهم آدم وشيث وإدريس (أخنوخ) ونوح الذين بشروا أممهم بالمنقذ الذي يظهر في آخر الزمان ([26]).

بعد إشارته لتطابق الأديان والأمم على فكرة المنقذ المنتظر كتب محمد أمين زين الدين ما يلي: (إذا تطابقت الأديان على التحدث بهذه الفكرة، وإذا كانت مرتقبة عند أمم الشرق والغرب كان الحديث عنها متواتراً يقيناً، إذا صح للتواتر معنى يعتمد عليه العقلاء. وهل يجوز لنا أن نحكم على هذه الأمم جميعاً إنها تواطأت على الكذب، هذا ما لا يقبله عقل، ولا يحتمله عاقل، ولم يشترط أحد في الخبر المتواتر أن يكون نبأ عن الماضي. ولتكن هذه الفكرة موافقة لميول الناس العامة أو مخالفة لها، لأن موافقة الميول لا يمكن أن تجعل دليلاً على كذب فكرة، أو صدقها، ولا برهاناً على وضع الاحاديث فيها، ولا يعد هذا من أساليب النقد العلمي، إلا أن تكون للنقد موازين أخرى لا يعرفها العلم) ([27]).

إذن لنا أن نتوقع، في الأقل بنسبة احتمال عالية جداً تدفعنا للبحث الجاد، بأن السومريين، وهم ورثة الأنبياء،كما سيأتي، لابد أن تكون لديهم سردية خاصة بموضوعة المنقذ الشائعة في أغلب ثقافات الشعوب وآدابها، إن لم يكن في جميعها. فالانتشار العالمي لموضوعة المنقذ، إذا لم يكن مصدره صنّاع الحضارة، والثقافة العالمية المهرة، السومريون أنفسهم، فلا أقل من وجود إسهام لهم فيه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: الأسعد بن علي قيدارة. مركز الأبحاث العقائدية – إيران – قم. 1433 هـ: ص32.

[2]– طور الاستخلاف (الطور المهدوي) ج1: عالم سبيط النيلي. نشر وتوزيع مكتبة بلوتو – بغداد: ص9. متاح على:

http://www.4shared-china.com/get/yOY208S2/__-__.html?simpleLogin=true#_=_

[3]– ينظر: النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: ص39.

[4]– ينظر: العقيدة والشريعة في الإسلام: إجناس جولدتسيهر. ترجمة: د. محمد يوسف موسى وآخران. دار الكتب الحديثة -مصر ومكتبة المثنى – بغداد. ط2: ص215.

[5]– الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين: الشيخ كاظم مزعل جابر الأسدي. رسالة ماجستير، جامعة آل البيت (عليهم السلام) العالمية 2005: ص52.

[6]– ينظر: البحث عن منقذ: فالح مهدي. دار ابن رشد للطباعة والنشر. ط1 1981: ص59 وما بعدها.

[7]– ينظر: نفسه: ص11.

[8]– ينظر: النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: ص33 وما بعدها.

[9]– ينظر: مفتاح باب الأبواب: د. ميرزا محمد الإيراني الآذربايجاني. مطبعة مجلة المنار – مصر. ط1 1321 هـ: ص9. وكذلك النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: ص42.

[10]– الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين: ص51.

[11]– إنجيل بوذا: ترجمة عيسى سابا: ص178 – 179. نقلاً عن البحث عن منقذ: ص65.

[12]– ينظر: البحث عن منقذ: ص65.

[13]– ينظر: مفتاح باب الأبواب: ص14 – 15.

[14]– نفسه: ص15.

[15]– ينظر: الإعتقاد بمنجي العالم في القرآن والعهدين: ص52.

[16]– النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ: ص43 وما بعدها.

[17]– الكتاب المقدس (كتب العهد القديم والجديد). تصدرها دار الكتاب المقدس في العالم العربي. 1976: سفر أشعيا: 11.

[18]– الكتاب المقدس: حجى: 2 – 7.

[19]– الكتاب المقدس: متى: 24، وانظر مرقس: 13.

[20]– ينظر: البحث عن منقذ: ص134 وما بعدها.

[21]– عيون أخبار الرضا ج2: الشيخ الصدوق. صححه وقدم له وعلق عليه: الشيخ حسين الأعلمي. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت. ط1 1984: ص295 – 296.

[22]– كتاب الغيبة: الشيخ الطوسي. تحقيق الشيخ عباد الله الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح. مؤسسة المعارف الإسلامية – قم المقدسة. ط1 1411 هـ. ق: ص165 – 166.

[23]– الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ج2: الشيخ المفيد. تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لتحقيق التراث. دار المفيد. ط2 1414 هـ 1993 م: ص340.

[24]– مسند أحمد:  ج1، الإمام أحمد بن حنبل. دار صادر. د.ت: ص99.

[25]– مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج7 : علي بن أبي بكر الهيثمي. دار الكتب العلمية – بيروت 1408 هـ 1988: ص314.

[26]– قال كعب الأحبار: “إني لأجد المهدي مكتوباً في أسفار الأنبياء: ما حكمه ظلم ولا عنت”. يوم الخلاص: كامل سليمان. دار الكتاب اللبناني – بيروت. ط7 1991: ص66.

[27]– مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية: الشيخ محمد حسين المظفر. مؤسسة النعمان – بيروت لبنان 1992: ص12 – 13 )).

 

المصدر: عبدالرزاق الديراوي، كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية”.