شعائر ثورة الإمام الحسين بين الشكل والمعنى / د. عبدالرزاق الديراوي

                                                            -1-

تقرير القناة الامريكية الجنوبية = الشعائر تقود إلى المعنى أو الرسالة

قبل فترة شاهدت تقريراً مصوراً عن الشعائر الحسينية التي تجري في بلدان مختلفة من العالم من استراليا إلى روسيا، ومن اندونيسيا إلى كندا، قدمته قناة تلفزيونية في واحدة من دول أمريكا الجنوبية. التقرير عرض مشاهد المسيرات الضخمة والسواد المنتشر في كل مكان.. الرايات ومشاهد اللطم، والخدمات التي تقدمها المواكب للمعزين، وما إلى ذلك. المهم في التقرير أنه عرض مشاهد من أفلام إيرانية عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وقدم تعريفاً بالثورة وأسبابها. أي أنه عرّف مشاهديه في الدولة الأمريكية الجنوبية المشار إليها بأن ثمة نسخة أخرى من الاسلام غير النسخة التي تحتل الآن المركز، يمثلها الاسلام الشيعي الذي يؤمن بأن خلافة الله بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستحقها الأئمة أو الخلفاء أو الأمراء الاثني عشر من عترة النبي.

                                                            -2-

وظيفة الشعائر الحسينية = استبدال الهامش بالمركز.. تسليط الضوء على المقصي والمغيّب .. التعريف بحقيقة وأهداف الثورة الحسينية = الشعائر امتداد واستمرار للثورة.

هذا التعريف الذي ساقت إليه شعائر الثورة الحسينية يكشف لنا عن الدور أو الوظيفة المهمة التي ينبغي أن تنهض بها هذه الشعائر، وهي تصديع المركز وإحلال الهامش بدلاً منه، أو قل نقل بؤرة الضوء من الصورة التي تتصدر واجهة المسرح الفكري على أنها هي صورة الاسلام، وتركيزها على الصورة المهمشة المقصية، وتقديمها على أنها هي صورة الإسلام الحقيقية. ومعنى هذا أنه يجب أن تكون الشعائر وظيفية، أي أن ننظر لها على أنها واقع رمزي يؤدي وظيفة نقل معنى أو رسالة، وليست واقعاً مطلوباً لذاته. وظيفة الشعائر هي أن تعمل عمل الثورة، فإذا كانت الثورة الحسينية صرخة رفض مدوية في وجه الباطل أعلن من خلالها الإمام الحسين (عليه السلام) عن انحراف الخط الرسمي الذي تلبس بالاسلام، وأعلن بالنتيجة عن الهوية الحقيقية للإسلام التي يحاول المركز أو الخط الرسمي تغييبها وإبعادها عن ساحة الوعي، فإنّ على الشعائر أن تتبنّى وظيفة إبقاء حرارة الجذوة الشعورية التي أوقدتها الثورة الحسينية، من جهة، وحمل الرسالة التي من أجلها ثار الامام الحسين لأجيال الأمة، وللعالم أجمع. وبهذا وحده تكون الشعائر جزء لا يتجزأ من الثورة وتكون امتداداً واستمراراً لها.

                                                             -3-

الجهل بحقيقة ورسالة الثورة الحسينية ينتج شعائر مضادة للثورة، تحارب الثورة وتشوهها

لو استحضرنا الآن بعض المشاهد والصور التي تصر أكثر القنوات الفضائية على عرضها، وخاصة القنوات المغرضة أو ذات المصلحة في تشويه الثورة الحسينية والصورة المهمشة للإسلام.. كثير من القنوات الفضائية تختصر الشعائر الحسينية بصور الدم الذي يلطخ وجوه وثياب ضاربي السيوف والقامات، وبينها صور أطفال تنزف الدماء من رؤوسهم، ومشاهد الاستعراضات التي تتحرّى تقديم حركات مختلفة ومثيرة تعمل على تركيز الانتباه على نفس الحركات، لا على ما يفترض أن تكون وسيلة لإثارته والتذكير به، وصور ومشاهد شاذة أخرى.

مثل هذه الصور والمشاهد تؤدي وظيفة تشويهية خطيرة، فبدلاً من أن تثير السؤال في ذهنية المتلقي عن معنى ووظيفة هذه المشاهد تجعله يركز على نفس المشاهد. المشاهد تشغله عن التفكير في وظيفتها المفترضة، وبالتالي تصبح نفس هذه المشاهد هي الهدف، وتختفي تماماً رسالة الامام الحسين وأهداف ثورته، أي أن الشعائر هذه المرة تدفن المعنى وتحارب الثورة بدل أن تستحضرها.

                                                              -4-

تأخر الثورة، أو تأخر حصاد المحصول العاشورائي يكشف عن وجود خلل كبير في الوعي المحرك للشعائر

هل هذه المشاهد نتيجة شاذة، أم أنها نتيجة محتومة ؟

الشعائر تديم زخم الثورة – كما قلنا – تبقيها حارة في القلوب والضمائر، وتبقي نورها مشعاً في الوعي، الشعائر بالنتيجة امتداد واستمرار للثورة، أو لنقل هي تهيئة وإعداد للثورة.

السؤال الذي يفرض نفسه: إذن لماذا لم تُنتج الشعائر مفاعيلها المفترضة ؟ لماذا لم تحدث الثورة التي تغير الواقع وتعيد للإسلام وجهه الحقيقي ؟

كان يفترض بالشعائر أن تفعّل الوعي والوجدان وتنتج ثورات كثيرة، لكن الواقع والتاريخ يكشفان عن حقيقة أخرى مغايرة، فالثورة المنتظرة لم تقع !

عدم حصول المفاعيل المفترضة في مدة متمادية من الزمن يشير حتماً – وفي أقل النتائج – إلى أن القائمين على هذه الشعائر لم يكونوا بالوعي المطلوب الذي يستطيع أن يفهم الرمزية الخصبة المستودعة في الشعائر ويعمل على تفعيلها.. التفعيل يعني أن يتم رصد الثورة الحسينية واستلهام تجلياتها في الواقع المعيش، سياسياً واقتصادياً وفكرياً وأخلاقياً.. أي أن تتم رؤية أصداء الثورة في الواقع الحقيقي المتحرك حولنا ورؤية أصداء هذا الواقع في الثورة الحسينية وما تحمله من قيم ومبادئ.

كل هذا لم يحدث.. فما الذي حدث بالنتيجة ؟؟

الذي حدث هو أن الشعائر أصبحت تتحرك منفصلة تماماً عن الواقع، ومعزولة كلياً عن الهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والقيمي الذي يعيشه الإنسان المعاصر.. أصبحت فلكلوراً شعبياً بارداً، ومناسبة للاحتفال لا أكثر. وفي ظل هكذا واقع لابد أن نتوقع المزيد من الظواهر الشاذة التي ستغير صورة الشعائر الحسينية كلياً لتحيلها إلى مظاهر قُتلت فيها الروح فصارت بدلاً من أن تُّذكر بالحسين وثورته، بدلاً من أن تحيي ثورته وتبقيها مستمرة وتجعلها تتناسل وتلد ثورات متتالية على الباطل، صارت تغيّب ذكرى الحسين وتحيلها إلى مناسبة باردة أبعد ما تكون عن حقيقتها، وبهذا صارت شعائر الحسين قتلاً لثورة الحسين.

                                                              -5-

مرة أخرى، ليس العيب في الشعائر وإنما في الوعي الذي يحركها، فهو وعي قاصر لابد من تغييره بوعي ناضج

هل العيب في الشعائر؟

الجواب هو كلا، لا عيب في الشعائر وإنما في الوعي القاصر الذي يحركها، هذا الوعي آن أن يستبدل بآخر يعي حقيقة الثورة الحسينية من جهة، ويعي الحقيقة الرمزية الوظيفية المهمة للشعائر من جهة أخرى، ليتمكن من إيجاد التفاعل المطلوب بين الشعيرة وبين الحياة المتحركة لكي لا تتحول الشعيرة الى مهرجان فلكلوري بارد الغرض منه تزجية الوقت وقتل الملل.