جدلية الثابت والمتغير أو الصراع بين الأصالة والمعاصرة / د. علاء السالم

جدلية الثابت والمتغير أو الصراع بين الأصالة والمعاصرة:

النص الديني بشكل عام يعني الثبات، الأصالة، الوقوف، في حين أنّ الإنسان كائن مرتبط بالزمان والمكان، وبالتالي فهو متغيّر بتغير الزمان وتجدده من حيث الحاجات، والسؤال اذن: كيف تتلاءم قوانين الدين الثابتة مع الإنسان المتغير والمتطور من حيث الحاجات ؟

  • سبب بروز الاشكالية لدى المسلمين:

بخصوص المسلمين: لا يستغرب أحد إن عرف أنّ هذا السؤال يعد أحد ثمرات القول بختم النبوة بمعنى انقطاع الوحي .. أما كيف ؟ فلأنّ القول بختم النبوة بمعنى انتهائها وانقطاع الوحي بعد النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) يستلزم أن تكون الشريعة الأخيرة ذات قوانين ثابتة (لا تتغير) ودائمة (مستمرة غير منقطعة أو مختصة بمقطع زمني مستقبلي معين)، ولما كان النص الذي يراد تطبيقه على الواقع ثابت في حين أن الواقع متغير، نشأت الجدلية المتقدمة، وهي: كيف يكون في قدرة النص الديني لنبي خاتمي (ينقطع الوحي بعده) أن يحكم الواقع المتغير ؟

  • كيف تعامل المفكرون مع الاشكالية المطروحة ؟

1/ البعض (كاللادينيين) جعلها مدخلاً للتشكيك في الثوابت والأسس التي يقوم عليها الدين الاسلامي بالتحديد، والمصدر الأساس له وهو القرآن الكريم خصوصاً، ومن ثم قاده الاشكال وعدم قدرته على استيعاب حلٍّ له إلى الطعن بالدين كلّه !!

2/ بعض آخر (وهم دينيون) أوجدوا أو ساهموا بإيجاد أو دعم توجّه يدعو إلى إعادة قراءة النص الديني على أساس المعطيات المعاصرة، مما يدعو بالضرورة – بنظرهم – إلى غربلة التراث الديني واعتماد ما يتماشى منه مع الواقع دون غيره !!

3/ بالنسبة للسنة (علماء الأصول بالذات)، أنشأوا نظريات من قبيل سد الذرائع، والمصالح المرسلة وأمثال ذلك، بل شرّع أئمة المذاهب عندهم القياس كما هو معلوم، وما كان لهم أن يؤسسوها لولا إحساسهم بقصور الموروث الديني عن تلبية متطلبات الواقع المتجدد.

4/ البعض (من علماء المسلمين سنة وشيعة أيضاً) قال: إن الدين مزيج من ثابت ومتغير، فالمتغير هو الشريعة (الفروع)، والثابت هو الدين (الأصول)، ويتصورون أنهم بذلك حلوا الاشكالية المطروحة، وسأعرض بعض كلمات علماء الشيعة المتأخرين، كمثال:

أ- الشيخ مكارم الشيرازي، يقول في إجابة الإشكال: «ويمكن الإجابة على هذا السؤال جيداً بملاحظة المسألة التالية، وهي: أنه لو كانت لكل قوانين الإسلام صفة الجزئية، وأنها قد عينت لكل موضوع حكماً جزئياً معيناً لكان هناك مجال لهذا السؤال، أما إذا عرفنا بأن في تعليمات الإسلام سلسلة من الأصول الكلية الواسعة جداً، والتي تقدر على أن تطابق الحاجات المتغيرة وتؤمنها، فلا يبقى مجال لهذا الإشكال» الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج13 ص284.

ب- الشيخ مطهري رحمه الله، ولأجل التغلب على الاشكال، عرض فكرته في إثبات خلود الإسلام وقدرته على مواكبة المتغيرات، وكانت خطته متضمنة لعدة نقاط؛ كان منها: (قبول العقل مصدراً للتشريع، الشمول، القوانين الثابتة، قواعد حق الفيتو، صلاحيات الحكومة الإسلامية، الاجتهاد) انظر: كتاب ختم النبوة – للشيخ مرتضى مطهري.

ج- السيد محمد باقر الصدر رحمه الله اقترح في بحوثته مساحة أسماها بـ “منطقة الفراغ” يتمتع المجتهد الجامع للشرائط بصلاحية ملْئها ليخفف من وطء المشكلة.

أعتقد هذه الأمثلة من الأجوبة كافية لتوضيح الحلول المقترحة لدى علماء الشيعة للمشكلة المطروحة، ولا تعدو إجابات الآخرين ما قاله هؤلاء العلماء.

  • مناقشة الحلول المقترحة:

1/ إنّ تفسيرهم لـ “ختم النبوة” بمعنى انقطاع الوحي والاتصال بالسماء، غير صحيح، ولا أقل ترده سورة القدر المباركة: “تنزل الملائكة والروح فيها” وعشرات الروايات المفسرة لها، وأيضاً الدالة على استمرار الوحي ونزول الملائكة على الائمة (عليهم السلام) وتأييدهم بروح القدس الأعظم، كما رواها الكليني في “الكافي” والصفار في “بصائر الدرجات” وغيرهم الكثير.

2/ إنّ ما اقترحوه من أدوات تمنح الدين صلاحية الدوام مع الإنسان المتطور، (كتقسيم الدين إلى أصول كلية ثابتة وفروع جزئية تلبي الحاجات المتغيرة، أو منح العقل صلاحية التشريع، أو منح الحكومة الاسلامية في فترة غيبة المعصوم الصلاحيات الخاصة بالمعصوم، أو طرح الاجتهاد بأدواته المعروفة المنتجة للظن باعترافهم … الخ)، ما هو إلا اعتراف ضمني منهم بعدم اكتمال الدين، في حين أنّ الله سبحانه يؤكد في كتابه الكريم أنّ الدين قد اكتمل: “اليوم أكملت لكم دينكم”.

3/ إنّ الحقيقة التي أغفلها هؤلاء العلماء هي أنّ المشكلة لا تنحصر في القوانين والأصول الإسلامية، ليصبّوا كل جهدهم على إثبات قدرة القانون الإسلامي على الخلود ومواكبة متغيرات الإنسان، بل ليطمئنوا أنهم مهما سعوا في إضفاء صفات مثل (الكلية والفطرية والمرونة والابتعاد عن الشكليات وما شابه) على القانون فإنه يبقى مبتوراً وناقصاً، ولا يمكن جني الثمار المرجوّة من تشريعه، بل على العكس تماماً، حيث سيتحول القانون نفسه إلى ذريعة يتحجج بها الجهلاء وأصحاب الأهواء لتمرير مشاريعهم الشيطانية، وليس الوهابيون المثال الوحيد لمثل هؤلاء.

  • الحل الصحيح للمشكلة:

إنّ الدين، إذا ما أُريد له أن يواكب الانسان في كافة العصور، ويساهم بتحقيق سعادته في الدارين، فما لم ينضم إليه المفسِّر والمبيّن والخبير الالهي الذي يكون بمستوى القانون الالهي نفسه، فلن يجني الإنسان ثمرة تذكر من الدين وقوانينه أبداً. وبهذا يكون الدين الحقيقي عبارة أخرى عن حاكمية الله، التي تعني باختصار أن القانون والمنفذ له كلاهما من الله سبحانه ولا دخل للإنسان في ذلك مطلقاً.

وعلى هذا الأساس نعرف:

أولاً: السرّ في ارتباط آية اكمال الدين في القرآن الكريم بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة من ولده (عليهم السلام)، كما ورد في الروايات المبينة للآية الكريمة.

وثانياً: نعرف السرّ في تأكيد النبي (صلى الله عليه وآله) في وصاياه العديدة لأمته على كتاب الله (القانون)، ولكنه لم يقف عنده فقط، بل ضم إليه المفسِّر والترجمان والعِدْل، فقال: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي)، إذن ثقلان: (قانون + مبيّن له)، ثم جعل التمسك بالاثنين معاً سبباً في النجاة من الضلال.

  • تنبيهات:

1/ حقيقة، لا أجد فرقاً من حيث الجوهر بين من يقول: “حسبنا كتاب الله”، وبين من يريد أن يتجه إلى القانون الإسلامي ويسعى جاهداً لتصوير أوجه قدرته (وحده) على مواكبة الإنسان ومتغيراته إلى نهاية المطاف.

2/ إنّ الإسلام إن قُدّر لقوانينه البقاء حتى الأخير، وهو كذلك بحول الله وقوته، فما كان ذلك ليحصل لولا وجود أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) المذكورين في نص (الوصية المقدسة) من أولهم إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، ولأنّ الزمان – حتى يوم الخليقة الأخير – لا يخلو من إمام منهم (لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)، كما هو مضمون حديث الثقلين وعشرات الروايات الشريفة، كُتب للإسلام البقاء والخلود، ولأجل ذلك أيضاً قُدّر للقانون الإسلامي مواكبة متغيّر الإنسان عبر الزمن،

فبعد وجود الخبير القانوني الإلهي في كل زمن لا تبقى مشكلة في المستجدات والمتغيرات التي تحتاج إلى ما يناسبها، فربما احتاجت إلى تفعيل قوانين وتشريعات سابقة كان قد عمل بها ولكنها منسية لأسباب لا أريد الخوض في تفاصيلها هنا، أو ربما احتاجت إلى تشريعات لم يعمل بها سابقاً ولكنها بالتأكيد موجودة في الدستور الإلهي، وجميع ذلك يتكفله خليفة الله، وقد ورد عن القائم (عليه السلام) – مثلاً – أنه يفعل كلا الأمرين.

3/ إنّ غياب المعصوم وحصول زمان فترة واستتار الحجة عن الناس، لا يعني عدم مواكبة الدين وقيّمه الحقيقي لحاجات الناس المستجدة، بل العكس هو الصحيح تماماً، ومن أراد أن يتعرّف على حقيقة هذه المسألة فليستمع الى البحث العلمي الرائع الذي ألقاه السيد أحمد الحسن في الملتقى الاسبوعي السادس من لمعهد الدراسات العليا.

4/ ما نشهده اليوم في العراق (الذي يؤمن غالبية أهله بالقانون الإلهي) من ثورة ضد الفساد، الذي يمكن إرجاعه بالنتيجة الى فساد القانون وفساد المنفذ له في الوقت نفسه وطلبهم للإصلاح، إن توقف على مطالبتهم بإصلاح الدستور (القانون) واصلاح المنفذين بعملية استبدالهم مثلاً، فهو وإن كان أفضل من ركونهم للمفسدين، ولكن ليعلموا جيداً أن الحل الوحيد لحالهم والمثمر لهم دنيوياً وأخروياً إنما يكون بالرجوع إلى القانون الإلهي والمنفذ الإلهي، وهو موجود بينهم اليوم.

5/ بعد أن عرفنا أنّ المسلمين انطلقوا في حل الإشكال من اعتقادهم بختم النبوة والارسال بمعنى انقطاع الوحي، وهو تفسير خاطئ كما تقدم، يكون من الضروري جداً البحث عن معنىً صحيح لختم النبوة والإرسال تلتقي عنده النصوص الدينية كتاباً وسنةً، وكذلك تُدفع به الشبهات، ومنها شبهة ارتباط المتغير بالثابت، ولا محيص للمسلمين ولعلمائهم بالتحديد إن أرادوا فهم هذا الأمر المتشابه من الرجوع إلى كتاب “النبوة الخاتمة” للسيد أحمد الحسن، وكذلك الاستماع إلى بحث “آية إكمال الدين”، ففيهما – وحدهما لا غير – ما يشفي الغليلويروي الظمأ.

والحمد لله رب العالمين.