الهوية الدينية لجلجامش / د. عبدالرزاق الديراوي

(( الهوية الدينية لجلجامش

في قصيدة “موت كلكامش” التي ينقلها الدكتور طه باقر في الملحق الثالث من ملاحق كتابه “ملحمة كلكامش” يرد البيت الشعري الآتي:

“يا كلكامش يا سيد كُلّاب إن مديحك خير وبركة” ([1]).

مفهوم الخير والبركة مرتبط بالدين، ومثله مفهوم المديح، أو الحمد والثناء، وليس من شك في أن ترتب الحصول على الخير والبركة على مديح جلجامش، أو الثناء عليه يدل على أنه شخص إلهي، أو شخص مقدس، وهذا في الحقيقة ما تكشف عنه وثائق الطين المأثورة عن حضارات الشرق الأدنى القديم.

يقول الدكتور سامي سعيد الأحمد إن العراقيين القدماء كانوا يقدمون الأدعية والهدايا (النذور) لجلجامش بصفته شفيعاً للموتى في العالم الأسفل ([2]). ويذكر الدكتور طه باقر إن بعض الكتابات الواردة عن الملك أورنمو تحدثت عن جلجامش بوصفه قاضياً في العالم الأسفل ([3]). ويقول كذلك: (في رواية رثاء الملك “أور – نمو” (مؤسس سلالة أور الثالثة 2112 ق.م) ذُكر كلكامش على هيئة مرشد أو موكل بارشاد ساكني العالم الأسفل إلى قواعد السلوك في ذلك العالم وذكر بهذه الصفة في تعويذة دينية باسم الإله كلكامش. ولعل أقدم كتابة ذكرت اسم كلكامش واسم “لوكال بندا” بصفتهما مؤلهين جاءت في الألواح الصورية (الكتابة الشبيهة بالصور) التي وُجدت في مدينة “شروباك” (فارة الآن)، وبرجع زمنها إلى أواخر عهد “جمدة نصر” أي إلى عصر فجر السلالات “في حدود 2600 ق. م”) ([4]).

من جهته، يقول دياكونوف إن جلجامش اعتبر في العصور المتأخرة ([5]) إلهاً للرخاء، وحامياً من شر الشياطين، والحاكم العادل لعالم الموت، وكانت صوره توضع على مداخل البيوت للوقاية من الأرواح الشريرة([6]).

لعل دياكونوف يشير إلى معنى ما سبق أن نقلناه عن الدكتور حسن الباشا بشأن التمثال المنصوب في مدخل قصر الملك سرجون الآشوري، فالدكتور حسن الباشا يصف التمثال: بإن جلجامش يحمل في إحدى يديه أسداً، وفي الأخرى عصا لولبية، ويتوسط زوجاً من الكائنات التي تجمع جسم ثور، أو أسد، ورأس إنسان، وأجنحة نسر، وهذه الكائنات لها وظيفة دينية هي أنها تحرس قصر الملك من الشياطين والأرواح الشريرة ([7]).

ويذكر طه باقر معلومات مهمة للغاية يعبر عنها بقوله: (من الأختام الأسطوانية التي يجدر ذكرها بهذا الصدد ختم نقش بصورة بطل يصارع أسداً وفيه كتابة باسم صاحب الخاتم يسمى “أور –  كلكامش”، أي خادم أو صاحب كلكامش. كما عُثر على ختم عليه اسم الملك الأكدي “شار كالي – شاري” وفيه صورة البطل كلكامش وفي رأسه القرون التي كانت من شارات الألوهية) ([8]).

الأختام تستعمل عادة للتوقيع في المعاملات التجارية والعقود، أو الرسائل، وعلى الإجمال يمكن تحديد هوية مستعمليها بالعلية من القوم كالملوك والتجار، وما إلى ذلك. ولعله جلي أن اختيار الصور التي تحملها هذه الأختام يُتحرى فيه معنى التبرك بصاحب الصورة، فما بالك إذا ما عبر صاحب الخاتم عن نفسه بعبارة “خادم كلكامش” ؟ لا شك في أن المعنى الذي يتبادر للذهن هو أن جلجامش شخص مقدس تُطلب منه البركة.

وإذا كان لأحد أن يشكك في النتيجة أعلاه فما عساه يقول في اتخاذ الملك الأكدي من صورة البطل جلجامش ذات الشعار الألوهي ختماً له؟ هل من الطبيعي أن يتخذ ملك من صورة ملك آخر ختماً له، مع ما يعرف عن الملوك من أنفة ؟

أعتقد أن هذه، وحدها، تكفي للنقض على من يقولون بأن جلجامش ملك حكم الوركاء، وتكفي لإثبات أنه شخص مقدس لا يجد الملوك – رغم أنفتهم – أية غضاضة في التبرك به وحمل صورته في أختامهم، وهي كما ذكرنا ليست للاستخدام الشخصي، وإنما لمهر الكتب والرسائل التي تصدر منهم.

لعل القرون التي تمثل شارة الألوهية بحسب الدكتور طه باقر هي ذاتها التاج الذي تكلل به جلجامش بعد أن قتل “خمبابا”، كما ورد في الملحمة:

“غسل كلكامش شعره الطويل وصقل سلاحه

وأرسل جدائل شعره على كتفيه

وخلع لباسه الوسخ واكتسى حللاً نظيفة

ارتدى حلة مزركشة وربطها بزنار

ولما أن تكلل كلكامش بتاجه

رفعت عشتار الجليلة عينيها” ([9]).

سيأتي حديث عن هذه الأبيات في مستقبل هذه الدراسة، أما الآن فمن الضروري أن ننقل عن الدكتور طه باقر إشارته إلى أن اسم جلجامش يكتب أحياناً مسبوقاً بعلامة دالة على الألوهية ([10])، الأمر الذي يعني أن العراقيين القدماء كانوا يصرون على التذكير بألوهيته، أو قداسته ([11])، ففي الصور يدلون عليها بوضع القرون علامة، وفي كتابة الاسم يضعون علامة خاصة.

دياكونوف، كذلك، ذكر معلومات كالتي ذكرها الدكتور طه باقر، منها إنه تم العثور على اسم جلجامش بشكل “بلكميس”، أو “بلكاموس” ضمن الآلهة السومرية ([12])، وهذه المعلومة نقلها عنه الدكتور محمد خليفة، وأضاف لها قوله إن الوثائق التي عُثر عليها في “فارا” دلت على تأليه جلجامش باسم “بلجاميس” ([13]). ومما ذكره دياكونوف قوله إن جلجامش وأنكيدو كانا إلهين للخصب ([14])، وأنهما مذكوران في الحروز والأدعية والتعاويذ ([15]).

وأختم بما كتبه فراس السواح عن جلجامش، وهو ربما يلخص ما سبق أن فصلناه، وهو قوله: (إذ نراه في النصوص اللاحقة قاضياً في عالم الأموات، وشخصية إلهية تتطابق أحياناً مع شخصية الإله دوموزي. وقد تم العثور على تراتيل وصلوات كان بعض ملوك سومر اللاحقين يرفعونها إلى جلجامش، وكانت النصوص الطقوسية التي تبتهل إليه تضع شارة الألوهية قبل اسمه. وإلى الفترات المتأخرة، في بابل وآشور كانت تقام في كل عام احتفالات لاحياء ذكراه تستمر تسعة أيام تتخللها شتى ضروب رياضة المصارعة والقوة البدنية، وذلك في شهر آب المدعو بشهر جلجامش) ([16]).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– ملحمة جلجامش: طه باقر: ص221.

[2]– ينظر المعتقدات الدينية في العراق القديم: د. سامي سعيد الأحمد. المركز الأكاديمي للأبحاث – بيروت 2013: ص94.

[3]– ينظر: ملحمة جلجامش:ص58. لا يستغربن أحد هذا المعنى فقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25- 26]، (عن أمير المؤمنين (عليه السلام): فيّ نزلت هذه الآية “إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم”. وقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة وكلنا الله تعالى بحساب شيعتنا فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا وما كان لنا نهبه لهم ثم قرأ هذه الآية). مناقب آل أبي طالب – ابن شهر آشوب، المطبعة الحيدرية في النجف 1956: ج2 ص5.

[4]– ملحمة جلجامش – طه باقر: ص58 – 59. 

[5]– قارن مع ما ذكره طه باقر قبل قليل من أن جلجامش كان مؤلهاً منذ عهد “جمدة نصر”، أي في عصر متقدم.

[6]– ينظر جماليات ملحمة جلجامش: ص25.

[7]– ينظر: تاريخ الفن في العراق القديم: ص90 وما بعدها.

[8]– ملحمة كلكامش – طه باقر: ص62.

[9]– ملحمة جلجامش: ص125.

[10]– ينظر: مقدمة في أدب العراق القديم: ص103.

[11]– سنعرف في هذه الدراسة معنى الألوهية المقصودة.

[12]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص24.

[13]– ينظر: الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، دراسة في ملحمة جلجامش: ص68.

[14]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: هامش ص69.

[15]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص22.

[16]– كنوز الأعماق: ص30 )).

 

المصدر: كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية / للدكتور عبدالرزاق الديراوي”