نشأة النحو والاختلاف بين مدارسه / د. بشار باقر

نشأة النحو:

تأتي أهمية الحديث عن نشأة النحو والمدارس النحوية من خلال القدسية التي يتمتع بها علم النحو والدور الذي يلعبه في تقييم خلفاء الله من وجهة نظر العلماء غير العاملين، وهذا البحث يسلط الضوء على الغموض الذي يحيط بولادة هذا العلم الوضعي، وكذلك ظهور المدارس النحوية المتعددة التي اختلفت فيما بينها في أمهات المسائل النحوية والصرفية واللغوية انطلاقاً من قوله تعالى: (قل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً).                          

اهتم العرب بلغتهم اهتماما كبيراً لارتباطها الوثيق بقوميتهم العربية التي طالما اعتزوا بها، فكانوا ينظرون إلى المخالفين لقواعدهم اللغوية بعين ملؤها الاحتقار والازدراء.

ومثاله ما رواه العتبي أن رجلاً من عِلْية أهل الشام استأذن على عبد الملك بن مروان وبين يديه قوم يلعبون بالشطرنج، فقال: يا غلام، غطها فلما دخل الرجل فتكلم لحن، فقال عبد الملك: يا غلام، اكشف عنها الغطاء؛ ليس للاحن حرمة.

ومما زاد من مكانتها عندهم نزول القرآن باللغة العربية فأصبحت موضع عناية المسلمين على مر العصور، حتى غلا بعضهم في ذلك فربط بين حب الله وحب اللغة العربية.        

واحتل النحو مكانة سامية بين علوم اللغة العربية، فهو أصل العلوم العربية وأقدمها نشأة، وبلغ من اعتناء العرب به أن أضفوا عليه صبغة شرعية، فنسبوا وضعه إلى الإمام علي (عليه السلام)، واخترعوا رؤى ونسبوها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيان فضله ومنزلته، وذهب ابن فارس إلى أبعد من ذلك عندما اعتبر معرفة العرب العاربة لمصطلحات النحو توقيفاً ممن قبلهم حتى انتهى إلى الله الذي علم آدم الأسماء كلها.   

ورغم أن النحو هو أقدم علوم اللغة العربية إلا أن ولادته يكتنفها الكثير من الغموض، فالخلاف لا زال قائماً بين النحاة منذ عقود حول تفاصيل وضعه، فقد اختلفت كلماتهم في الأسباب التي أدت إلى وضع النحو وواضعه وأول ما وضع منه، ومرد هذا الاختلاف تعدد الروايات التي  تذكرها المصادر التاريخية بهذا الشأن.

فلا نجد في الروايات ما يدل على أوليات وضع النحو على سبيل الجزم، وكل ما يذكره الباحثون حول أسباب وضعه وواضعه وأول ما وضع منه لا يعدو كونه احتمالاً لا سبيل إلى تحقيقه عن طريق هذه النصوص.

فالمتتبع لهذه الروايات يجد الاضطراب فيها بادياً، حتى يكاد يجزم بوضعها لتضاربها وليس ثمة مؤهلات ترجح إحدى هذه الروايات على الأخرى.      

لذا ذهب بعض الباحثين إلى أنَّ معرفة واضع النَّحو في العربية يكاد يكون معضلة، وأنَّه غامض في منشئه كل الغموض، فلا سبيل إلى تحقيقه البتة.

المدارس النحوية:

إن نظرة واحدة في كتب النحو تدلنا على وجود أكثر من مدرسة نحوية ولكل مدرسة أصولها وقواعدها التي تختلف عن الأخرى، وهذا الخلاف نتيجة للاجتهادات الشخصية في استنباط القواعد النحوية، فنرى أن النحوي يخالف منهج مدرسته التي ينتمي إليها حسبما تمليه عليه اجتهاداته، ومما يزيد من حدة الخلاف العوامل الشخصية والرغبة في حب الظهور.           

وإليك هذه المدارس وأصولها وقواعدها التي تفردت بها: 

1- المدرسة البصرية:

رغم أن الخلاف يشوب الكثير من تفاصيل نشأة النحو إلا أن إجماع المصادر قائم على اقتران اسمه بمدينة البصرة، ففي أحضانها ولد هذا العلم وترعرع  قرابة قرن من الزمن.    

بدأ النحو في هذه المدينة بصورته البسيطة شأنه شأن كل علم في بداية رحلته، وانطلاق شرارة النحو من هذه المدينة جعلها صاحبة أول مدرسة نحوية لها أصولها وقواعدها، وإليها ينتمي رؤوس النحاة الأوائل.                                       

ويرى النحاة أن النحو بدأ مع عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي الذي يعد أول من وضع  القياس والعلل، ثم جاء عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب، الذين خطوا خطوات واضحة في مجال تطوير النحو.

وللخليل بن أحمد الفراهيدي دور كبير في النهوض بالنحو؛ إذ شهد نمواً واسعاً على يده، فقد كان الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله.

وجاء سيبويه فطلع على الناس بكتابه الذي دوّن فيه زبدة الأفكار النحوية التي تلقاها ممن سبقوه من النحاة، فعد أول كتاب وصل إلينا شاملاً ومبوباً ترتيباً في غاية الدقة، فحظي بإقبال وإعجاب معظم دارسي العربية.

ثم جاء بعدهم جيل من أعلام النحاة ممن تتلمذوا عليهم فواصلوا السير على نهجهم مع مخالفتهم لهم في المسائل التي تملي عليهم اجتهادهم.

2- المدرسة الكوفية

بدأ النحو الكوفي مع الكسائي وتلميذه الفراء، فهما اللذان رسما صورة هذا النحو ووضعا أسسه وأصوله.

أخذ الكسائي العلم عن أئمة البصرة ثم رجع إلى الكوفة فوضع أسس المدرسة الكوفية التي اعتمدت على الاتساع في رواية الأشعار وجعله أصلاً يقيس عليه. ثم تبعه الفراء الذي على يديه تكامل المنهج الكوفي واتضحت ملامحه.                 

ثم تتابع العلماء الكوفيون من بعدهم على استظهار آراء المدرسة الكوفية حتى غدت مدرسة مستقلة بأصولها وقواعدها تنافس المدرسة البصرية، وجاء العلماء فسجلوا آراء المدرستين عند عرضهم للمسائل المختلفة كما فعل ابن الأنباري في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف) وغيرها من كتب الخلاف.                    

الخلاف بين المدرستين:

بدأت شرارة الخلاف النحوي بين علمين من أعلام هاتين المدرستين هما الخليل بن أحمد البصري وأبو جعفر الرؤاسي الكوفي، إلا أنه كان خلافاً شخصياً لم يأخذ طريقه إلى المنهجية، ثم ترسخ هذا الخلاف أكثر في عهد سيبويه والكسائي اللذين على يديهما اتضحت معالم المدرستين وأخذت الطابع المنهجي، وتعمق الخلاف بين نحاة البصرة والكوفة أكثر حتى غدا شبيهاً بالصراع واتخذ مظاهر متعددة كالمجالس والمناظرات والكتب الخلافية.                 

أما مسائل الخلاف بين المدرستين فيمكن تقسيمها إلى قسمين:                           

أولاً: المسائل الأصولية

وهي المسائل الأساسية التي تقوم عليها منهج المدرسة، ويتمثل الخلاف فيها بالأمور الآتية:

1- السماع

فالبصريون يقيمون قواعدهم على المسموع من كلام العرب الفصحاء ممن احتفظوا ببداوتهم ولم يختلطوا بأهل الحضر، لذا نراهم يحصرون القبائل التي يسمعون منها، مع التحري عن صحة المسموع فلا يأخذون إلا برواية الثقات.    

أما الكوفيون فيسمعون من كل العرب ويعتبرون المسموع منهم شاهداً يبنون عليه قواعدهم، ولم يشددوا في التثبت من وثاقة الراوي وأمانته.                                             

2- القياس

البصريون يقيسون على الكثير ويقعدون عليه، وما خالف قياسهم أولوه أو اعتبروه شاذاً أو نادراً يحفظ ولا يقاس عليه أو غيرها من التوجيهات.    

ولم يعتبر الكوفيون بالكثرة بل نجدهم يقيسون على الشاهد الواحد، فما اعتبره البصريون شاذاً قبله الكوفيون وجعلوه قاعدة.                                                 

ثانياً: الموضوعات النحوية

من البديهي أن ينعكس الخلاف في الأصول على القواعد النحوية، وبالنتيجة يكون الخلاف فيها أكثر وأعمق، ولو رجعنا إلى الكتب التي تحدثت عن المسائل الخلافية الفرعية بين المدرستين لوجدنا فيها ما يزيد على مائة مسألة في هذا الجانب، ويعد كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين) لابن الأنباري أول وأشمل كتاب وصل إلينا من الكتب الباحثة عن الخلاف، وقد أحصى فيه مؤلفه أكثر من مائة مسألة خلافية في اللغة والنحو والصرف بين المدرستين. 

3- المدرسة البغدادية

تمثل المدرسة البغدادية حالة وسطية بين المدرسة البصرية والمدرسة الكوفية في قضايا نحوية كثيرة، إذ قامت على انتقاء ما رأته صحيحاً من المدرستين أو الاجتهاد في استنباط رأي جديد اذا لم تصح آراء نحاة المدرستين عندهم.                                              

وتجسد موقفهم الجديد بوضوح في قضية الشواهد، فالنحاة لم يحتجوا بشعر المولدين وجعلوا إبراهيم بن هرمة القرشي (ت: 176هـ) آخر شاعر يحتج بشعره.

وخالفهم البغداديون فاحتجوا بشعرهم، فقد استشهد أبو علي الفارسي بشعر أبي تمام في قوله:

من كان مرعى عزمه وهمومه   روض الأماني لم يزل مهزولا

وللبغداديين آراء جديدة انفردوا بها في مسائل النحو لا نجدها عند المتقدمين من البصريين والكوفيين، كقولهم إن العبرة في تذكير العدد وتأنيثه بحال المعدود الجمع لا المعدود المفرد  وغيرها من الآراء.                                                                   

4- المدرسة الأندلسية

كان النحو الأندلسي مقتصراً في أول انطلاقه على القواعد التي تلقاها نحاتهم من المشرق، فاكتفوا بانتقاء الصحيح من آراء المدرستين وقاموا بالاجتهاد في بعض القضايا التي لم يسلموا فيها برأي السابقين، وشملت اجتهاداتهم الأصول والقواعد.

فابن مالك الجياني الأندلسي جدد في النحو بعض التجديد، إذ وسع دائرة السماع باستشهاده بالأحاديث، لذا عده ابن حيان أول المتقدمين والمتأخرين من النحاة احتجاجاً بالحديث وإكثاراً منه.

ومن مظاهر التجديد في النحو الأندلسي على مستوى الأصول هو ما جاء به ابن مضاء القرطبي من مطالبته بإلغاء نظرية العامل التي أثقلت النحو بالتعليلات والتأويلات والتقديرات، وما ترتب عليها من زيادة ألفاظ يفترضها النحاة دون حجة أو دليل، وإلغاء العلل الثواني والثوالث، والتمارين غير العملية وغيرها مما وردت في كتابه الرد على النحاة الذي مثّل ثورة على النحو والنحاة.

وللأندلسيين آراء خالفوا فيها المدارس النحوية الأخرى في عدد من المسائل والموضوعات النحوية، كمسألة منع تعدد الخبر للمبتدأ الواحد وغيرها.

5- المدرسة المصرية

بدأت الدراسات النحوية في مصر ببروز جيل من النحاة ممن ملأ ذكرهم الخافقين، فانتهجوا المنهج البغدادي في اختيار الصحيح من مدرستي البصرة والكوفة، وأضافوا جديداً في نطاق المسائل الفرعية من قبيل الاهتمام بالأدوات النحوية، واعتنائهم بالجملة العربية وتراكيبها، وصياغة القواعد النحوية على شكل منظومات شعرية وغيره.                                  

ولهم آراء في القواعد تفردوا بها، كالقول إن لام التعريف العهدية مختصة بالأعيان والجنسية مختصة بالأذهان وغيرها من الآراء.                          

ولم يقتصر الخلاف على المدارس بل نجد أن أعلام المدرسة الواحدة يختلفون فيما بينهم اجتهاداً منهم في مسائل كثيرة من مسائل النحو، وهذه نماذج من مخالفات النحاة لمدرستهم في قواعد النحو:

ذهب البصريون إلى أن خبر المبتدأ إذا كان اسمًا محضًا لا يتضمّن ضميرًا يرجع إلى المبتدأ، وذهب علي بن عيسى الرُّمَّانِيّ من البصريين إلى أنه يتضمّن ضميرًا.

وذهب الكوفيون إلى أن (نِعْمَ – وبِئْسَ) اسمان مُبْتَدَآن، وذهب علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرَّفَان.

الخلاصة:

وهكذا يتيه طالب النحو العربي بين زحمة المدارس المتعددة والآراء المختلفة والاجتهادات المتنوعة لا يدري أيها الحقيقة وأيها الباطل، فتبقى قضية الترجيح بينها رهينة الظنون والاحتمالات والاجتهادات الشخصية، لذا نجد أن الخلاف النحوي قائم لم يتحرر إلى يومنا هذا بين النحاة أنفسهم لعدم وجود قانون ثابت يحتكم إليه في حل الخلاف.                        

فالقول بصحة هذه القواعد النحوية وعدم جواز مخالفتها مع وجود مثل هذا الخلاف الواسع بين النحاة وبهذا الحجم رأي يجانب الصواب، فضلاً عن أن تكون هذه القواعد قانوناً لمعرفة خليفة الله .

قال تعالى: “قل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً”.