الهوية العالمية لجلجامش / د. عبدالرزاق الديراوي

(( الهوية العالمية لجلجامش ([1]):

اتضح مما تقدم أن المطابقة بين جلجامش الملحمة، وجلجامش الملك السومري، قضية أقل ما يقال عنها إنها لا تملك من الإثباتات العلمية ما يسعفها على الصمود أمام الانتقادات التي يمكن أن توجه لها، بل لعلي لا أجد غضاضة في القول إن حركة تحديد هوية جلجامش ليس عليها أن تمر على وثيقة الملوك السومرية، وأن استكشاف الهوية المذكورة مجاله آفاق أخرى.

وإذا شئنا رصد شخصية جلجامش مبتدئين بالأطر الكلية، لننتهي بعدها بالتفاصيل المميزة، فإن أول ما يمكن أن تسجله عين الملاحظة هو ذلك الحضور العالمي لشخصية جلجامش، الذي لا يضاهيه حضور لشخصية أخرى في التأريخ القديم.

سبق أن نقلنا جزءاً مما قاله الأستاذ شاكر الحاج مخلف مترجم ومقدم كتاب “إنانا ملكة السماء والأرض” بخصوص شهرة جلجامش التي طبقت آفاق العالم القديم، وأود الآن نقل كلامه بتمامه، وهو واضح جداً في الدلالة على الاحتفاء الأممي بشخصية جلجامش، فهو يقول: (جلجامش العظيم أكسبته أعماله شهرة طافت الآفاق وجعلت منه البطل الأعلى في القصص والأساطير السومرية، فقد كُتبت القصائد تمجيداً لأعماله ومآثره، وكانت تكتب مرة ومرة على امتداد القرون، ولم تقتصر كتابتها على اللغة السومرية، بل تعدتها إلى جميع اللغات المهمة التي كانت منتشرة في أقاليم آسيا الغربية، لقد أصبح جلجامش بطل العالم القديم بامتياز، فهو المغامر والشجاع، لكنه أيضاً الشخصية المأساوية التي ترمز إلى سعي الإنسان الدؤوب، لقد أصبح جلجامش شخصية خرافية تطوف كما الشمس أرجاء العالم) ([2]).

وكان قد سبق للأستاذ شاكر أن كتب في مقدمته: (هناك أدلة توصل إليها علماء الآثار تفيد بوجود تقليد يتعلق بإقامة دورة رياضية للتسابق على شرف جلجامش في شهر آب من كل عام، يتبارى خلالها الشباب في فنون القتال والمصارعة وسباق العربات وكذلك ألعاب القوى، وقد بقيت تلك التقاليد قائمة في الإمبراطورية الآشورية التي كانت تسمي شهر آب بشهر جلجامش السومري) ([3]).

وطالما كنا في بلاد آشور، من المناسب التنويه إلى أن الدكتور نائل حنون ذكر أنه عثر في مدينة “ميتران” الآشورية على نص أدبي يروي قصة موت جلجامش، وهي قصة منفصلة عن ملحمة جلجامش ([4])، كما أنه تم اكتشاف نصوص أدبية سومرية أخرى، من قبيل: “جلجامش وخواوا”، “جلجامش وثور السماء”، “جلجامش وأنكيدو والعالم السفلي” ([5]).

لا شك في أن الآشوريين مشغوفون للغاية بشخصية جلجامش، الأمر الذي لا يمكن أن نفسره إلا بافتراض أن شخصية جلجامش شخصية عالمية، وإلا من غير المعقول تماماً أن يحتفوا بملك من قومية أخرى كل هذا الاحتفاء، مع ما يُعرف عن تعصبهم القومي.

يكفي دليلاً على تعصب الآشوريين القومي ما يذكره الدكتور نائل حنون في كتابه “حينما كان في العلى” من قصة استبدالهم اسم إلههم القومي “آشور” بالإله البابلي “مردوخ” في قصة الخليقة المشهورة، وهذا نص كلام الدكتور نائل: (الجدير بالذكر هنا هو عدم وجود اختلافات جوهرية فيما بين الروايتين البابلية والآشورية فيما عدا نسبة دور البطولة إلى مردوخ في الأولى، وإلى آشور في الثانية. ولا يخفى إن السبب وراء هذا الاختلاف يعود إلى عدم تقبل الآشوريين لفكرة كون مردوخ، الإله القومي لمدينة بابل، بطلاً للأسطورة) ([6]).

ومن المهم جداً أن نذكر أن الملك الآشوري المعروف “سرجون الثاني” قد نصب تمثالاً ضخماً لجلجامش في مدخل قصره في “خرسباد” ([7])، ولا أظن أحداً سيتصور أن الملك الآشوري من معجبي الملك السومري غير الموهوب جلجامش، خاصة إذا علمنا أن الآشوريين قد ألبسوا تمثال جلجامش المذكور زياً آشورياً ([8])، وهذه إشارة منهم إلى أمميته، أو عدم أحقية قوم به دون قوم.

وقبل أن نغادر آشور ينبغي أن لا ننسى بأن لمكتبة الملك آشور بانيبال فضلاً كبيراً في تعرّفنا على ملحمة جلجامش ([9])، فقد عُثر على معظمها في مكتبة الملك المذكور في نينوى.

في غير مكتبة نينوى عُثر على أجزاء من الملحمة في العاصمة الحيثية “حاتوشاش” في تركيا، وعثر على رقيم منها في مدينة “مجدو” في فلسطين، وترجمت إلى لغات أخرى كالحيثية، والخورية([10]).

ويعتقد الدكتور الكسندر ستيبتشفيتش أن الطبقات العليا من المجتمع الاوغاريتي كانت تزدري من لا يحتفظ في مكتبته الخاصة بالكتب المعروفة والشائعة كملحمة جلجامش ([11]).

يعلل كريمر هذا الاهتمام الكبير بالملحمة بقوله: (إن اهتمام الناس القدامى منهم والمعاصرين بهذه الملحمة يعود إلى ما تضمنته من مفاهيم انسانية وعناصر مسرحية جعلتها فريدة من نوعها في الادب البابلي، وذلك لأن المتعارف في ذلك الأدب هو أن الدور الأهم في الحكايات كان يُعهد إلى الآلهة الذين يمثلون قيماً مجردة وحتى في الحكايات البابلية التي يكون أبطالها من البشر، فإن هؤلاء البشر يؤدون أدواراً آلية ويتحركون كما تتحرك الدمى. أما بالنسبة لملحمة جلجامش فإن الأمر مختلف تماماً. ذلك لأن بطل الساحة فيها هو جلجامش الإنسان، الذي يحب ويبغض، يفرح ويبكي، يكافح ويعجز، يأمل وييأس) ([12]).

علينا أن نلتفت إلى أن القيم الفكرية والجمالية التي أشار لها كريمر تتوفر عليها نصوص أخرى غير الملحمة، وإن بدرجة أقل ([13])، ولكننا مع ذلك لا نجد نصاً بلغ من الشهرة، ولو بعضاً مما بلغته الملحمة وبطلها. فإذا كان كريمر يقيم حجته على أساس فرق الدرجة فحجته داحضة، فما بالك وهو يبنيها على فرق النوع تحديداً، بدلالة مقابلته بين الملحمة، وما يصطلح عليه بأنه أدب بابلي متعارف، فكأنه يرى أن الملحمة عبّرت عن ذائقة أو حساسية فكرية وفنية جديدة، ومختلفة.

التعليل الذي لا يملك الذهن مهرباً منه، برأيي، لابد أن يعزو شهرة جلجامش الواسعة إلى فرادة تتعلق بشخصه نفسه، لا علاقة لها بقوة الأقلام والأخيلة التي كتبت عنه، وبهذا وحده يمكن أن نفسر شهرة جلجامش بعيداً عن صورته الملحمية، وهو ما يبدو أن كريمر لم يلتفت له. ففي كتابه عن ملحمة جلجامش يتحدث دياكونوف عن المكانة المرموقة التي تبوأها جلجامش، ويصف صوره ومنحوتاته التي عُثر عليها في العراق وما يجاوره من بلدان كعيلام، التي عثر له على صورة فيها ([14])، ويفيدنا الأستاذ فراس السواح بأن شخصية جلجامش كانت معروفة في مصر باسم “سوم”، أو “شون” ([15])، وهو  – كما لاحظتم – اسم لا يرتبط بالملحمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]– وصفه أحمد الحسن بالشخصية الأممية. ينظر: وهم الإلحاد – أحمد الحسن. شركة نجمة الصباح للطباعة والنشر.  بغداد. ط1 2013: ص378.

[2]– إنانا ملكة السماء والأرض: ص26 – 27.

[3]– إنانا ملكة السماء والأرض: ص22.

[4]– ينظر: حقيقة السومريين: د. نائل حنون. دار الزمان – دمشق. ط1 2007: ص15.

[5]– ينظر: نفسه: ص315.

[6]– حينما كان في العلى، قصة الخليقة البابلية: د. نائل حنون. دار الزمان – دمشق. ط1 2006: ص18 – 19. والحدث نفسه أشار له الدكتور طه باقر في كتابه مقدمة في أدب العراق القديم: ص72.

[7]– ينظر: تاريخ الفن في العراق القديم: د. حسن الباشا. مكتبة النهضة المصرية. ط1 1956: ص90 وما بعدها.

[8]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص12.

[9]– ينظر: ملحمة جلجامش: فاضل عبدالواحد علي. بحث منشور في مجلة عالم الفكر الكويتية. المجلد السادس عشر، العدد الأول، ابريل – مايو – يونيو 1985: ص35.

[10]– ينظر: نفسه: 35. وكنوز الأعماق، قراءة في ملحمة جلجامش: ص47 وما بعدها؛ والأسطورة والتوراة: ص131.

[11]– ينظر: تاريخ الكتاب/ القسم الأول: د. الكسندر ستيبتشفيتس. ترجمة: د. محمد م. الأرناؤوط. سلسلة عالم المعرفة الكويتية عدد 169، 1993: ص20.

[12]– هنا بدأ التاريخ: س. ن. كريمر: ترجمة وتلخيص: ناجية المراني. سلسلة الموسوعة الصغيرة. دار الحرية للطباعة – بغداد 1980. العدد 77: ص94.

[13]– ينظر: الإنسان في أدب وادي الرافدين: د. يوسف حبي. سلسلة الموسوعة الصغيرة. العدد 83 دار الحرية للطباعة -بغداد. ط1 1980: ص109 وما بعدها. ومقدمة في أدب العراق القديم: ص99 وما بعدها.

[14]– ينظر: جماليات ملحمة جلجامش: ص11.

[15]– ينظر: ملحمة جلجامش وأثرها في الثقافة القديمة: فراس السواح. مجلة المعرفة السورية العدد 197. يوليو 1978: ص118 )).

 

المصدر: كتاب “ملحمة جلجامش في ضوء المرجعيات الثقافية / للدكتور عبدالرزاق الديراوي”