رحلة جلجامش الى جده نوح (ع) / السيد أحمد الحسن

(( المرسى التاسع:

رحلة جلجامش إلى جده نوح (عليه السلام):

وتبدأ رحلة جلجامش إلى جده نوح (أوتو – نبشتم) والتي يطلب فيها الخلود، خلود الروح وليس خلود الجسم، فجلجامش منذ البداية يعرف أن لا خلود للجسم، فقد مرَّ قوله:

« والآلهة (الصالحين) وحدهم هم الذين يعيشون إلى الأبد مع شمش أما أبناء البشر فأيامهم معدودات وكل ما عملوا هواء عبث ».

وجدّه نوح ميت منذ زمن بعيد، وهو يعلم هذا جيداً.

إذن، هي رحلة إلى العالم الآخر.

وفي هذه الرحلة يسحق جلجامش نفسه، فيحقق الخلود الذي سافر في طلبه. يحقق مراده في نفس الرحلة وحتى قبل أن يصل إلى جده نوح (اوتو – نبشتم):

« سأطلق شعري وسألبس جلد الاسد وأهيم على وجهي في البراري » [ملحمة جلجامش].

ويدخل جلجامش عالم الحقيقة ويرى الأُمور على ما هي في رحلته إلى جده أوتو – نبشتم (نوح  عليه السلام):

« لقد بلغ جبل “ماشو”

الذي يحرس كل يوم مشرق الشمس ومغربها،

والذي يبلغ علوه سمك السماء

وفي الأسفل ينحدر صدره إلى العالم الأسفل،

ويحرس بابه “البشر العقارب”

الذين يبعثون الرعب والهلع ونظراتهم الموت

ويطغى جلالهم المرعب على الجبال،

الذين يحرسون الشمس في شروقها وغروبها،

ولما أبصرهم جلجامش اصفر وجهه خوفاً ورعباً،

ولكنه تشجع واقترب أمامهم

فنادى “الرجل العقرب” زوجته وقال لها:

إنّ الذي جاء إلينا جسمه من مادة الآلهة،

فأجابت زوجة “الرجل العقرب” زوجها وقالت:

أجل إنّ ثلثيه إله وثلثه الآخر بشر،

ثم نادى “الرجل العقرب” جلجامش

وخاطب نسل الآلهة بهذه الكلمات:

مالذي حملك على هذا السفر البعيد ؟

وعلام قطعت الطريق وجئت إلي عابراً البحار الصعبة العبور،

فأبن لي القصد من المجيء إلي

فأجابه جلجامش قائلاً:

أتيت قاصداً أبي (اوتو – نبشتم) (نوح)

الذي دخل في مجمع الآلهة *

جئت لأسأله عن لغز الحياة والموت *

ففتح الرجل العقرب فاه وقال مخاطباً جلجامش:

لم يستطع أحد من قبل أن يفعل ذلك يا جلجامش

لم يعبر أحد من البشر مسالك الجبال

حيث يعم الظلام الحالك في داخلها مسافة اثنتي عشرة ساعة مضاعفة ولا يوجد نور

…….. جزء مخروم من الملحمة …….

فأجاب جلجامش: عزمت على أن أذهب ولو بالحزن والآلام *

وفي القر والحر وفي الحسرات والبكاء *

فأفتح لي الآن باب الجبال،

ففتح الرجل العقرب فاه وأجاب جلجامش:

مر يا جلجامش ولا تخف،

فقد أذنت لك أن تعبر جبال “ماشو”،

وعساك أن تقطع الجبال وسلاسلها،

وعسى أن تعود بك قدماك سالماً،

وها هو باب الجبل مفتوح أمامك » [ملحمة جلجامش – طه باقر: ص75 – 76].

تستمر رحلة جلجامش، ويمرُّ بصاحبة الحانة وكأنها رمز لسكر الناس بحب الدنيا والأنا، فتدعوه صاحبة الحانة إلى الدنيا والاهتمام بنفسه وترك هذا السفر المتعب في طلب الخلود:

« فأجابت صاحبة الحانة جلجامش قائلة له:

إنّ الحياة التي تبغي لن تجد

إذ لما خلقت الآلهة البشر قدرت الموت على البشرية

واستأثرت هي بالحياة *

أما أنت يا جلجامش فاجعل كرشك مملوءاً *

وكن فرحاً مبتهجاً ليل نهار *

وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك

وارقص والعب ليل نهار *

واجعل ثيابك نظيفة زاهية *

واغسل رأسك واستحم في الماء *

ودلل الطفل الذي يمسك بيدك *

وافرح الزوجة التي بين أحضانك *

وهذا هو نصيب البشر،

ولكن جلجامش أردف مخاطباً صاحبة الحانة:

يا صاحبة الحانة أين الطريق إلى اوتو – نبشتم

دليني كيف أتجه إليه ؟

فإذا أمكنني الوصول إليه فإنني حتى البحار سأعبرها،

وإذا تعذر الوصول إليه فسأهيم على وجهي في البراري » [ملحمة جلجامش – طه باقر: ص79 – 82].

هذه الكلمات الأخيرة كأنّ موسى u في القرآن قد اقتبس معناها من جلجامش، فقال: ﴿.. لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف: 60].

وتستمر رحلة جلجامش حتى يصل إلى جدِّه أوتو – نبشتم  (نوح u)، ويروي له جدُّه قصة الطوفان، ويعرف جلجامش من جدِّه سرِّ الحياة:

« قال اوتو – نبشتم لجلجامش:

إنّ الموت قاس لا يرحم

متى بنينا بيتا يقوم إلى الأبد ؟

متى ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد ؟

وهل يقتسم الإخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر ؟

وهل تبقى البغضاء في الأرض إلى الأبد ؟

وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام ؟

والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحل أجلها

ولم يكن دوام وخلود منذ القدم

وياما أعظم الشبه بين النائم والميت !

ألا تبدو عليهما هيئة الموت ؟

من ذا الذي يستطيع أن يميز بين العبد والسيد إذا جاء أجلهما ؟ » [ملحمة جلجامش – طه باقر: ص87].

الملاحم والقصص السومرية والقصائد تُثبت أنّ قصة الدين الإلهي موجودة ومكتملة عند السومريين بكل جزئياتها وشخصياتها ورموزها قبل الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية، فنجد في الرِقَم الطينية السومرية الإله الحقيقي الواحد المهيمن على كل شيء، ونجد عندهم العقائد، والقيم الأخلاقية، والنواميس المقدسة، والعبادة وطرقها، وسبل الانتصار على الشيطان وعلى الدنيا وعلى الأنا وحب الذات.

إذن، فهو الدين كلّه من ألفه إلى يائه عند السومريين. فمن أين أتوا به ؟

من أين جاءوا بهذه المنظومة المعقّدة التي ظهرت مكتملة فجأة في تاريخ بلاد ما بين النهرين ؟

الحقيقة التي يراها كلُّ عاقلٍ ظاهرةً كالشمس أنّ هناك قفزة ثقافية وحضارية أظهرتها لنا الثقافة والحضارة السومرية، فمن يريد أن ينكر – بعد كل ما تقدم – فهذا شأنه، وعموماً فقد وضِعتْ أُطروحات ونظريات لتفسير هذه القفزة الثقافية، ولو كان الأمر ليس كذلك لما وصل الأمر إلى أن توضع نظرية قدوم كائنات من الفضاء !!

والعجب كل العجب ممّن يقبل أنّ سبب تطور الإنسانية هو قدوم كائنات فضائية بمركباتهم وقدراتهم الكونية التي لا نرى لها أثراً على الأرض لكي يُعلِّل هذه القفزة الثقافية، ولا يقبل أنّ نفس آدم نُفخَتْ في جسم فتطوّر وانتقل إلى مستوى أرقى في الخلق والتنظيم والقدرة على التفكير والإدراك )).

 

المصدر: أحمد الحسن، مراسي مختارة في موانئ سومر وآكاد / المرسى التاسع.

رابط الكتاب: