السومريون وحاكمية الله / السيد أحمد الحسن

(( المرسى العاشر:

السومريون وحاكمية الله:

يقول د. كريمر في الحكومة:

[الحكومة – أول برلمان ذي مجلسين – إن نمو الإنسان الاجتماعي والروحي  لهو في الغالب بطيء، منحرف، ويصعب تتبعه وتقصيه. وقد تكون الشجرة المتكاملة النمور منفصلة بعيدة عن بذرتها الأصلية بألوف الأميال والسنين. خذ مثلاً أسلوب الحياة المعروف باسم الديمقراطية ومؤسساتها أو نظامها الأساسي وهو المجلس السياسي. ففي ظاهر الحال يبدو هذا النظام وكأنه قاصر على حضارتنا الغربية أو احتكار لها، وأنه ثمرة من ثمرات القرون الحديثة، إذ من ذا الذي يتصور أنّ برلمانات سياسية كانت في الوجود قبل ألوف كثيرة من السنين، وفي جهات من العالم ليست لها صلة بالمؤسسات الديمقراطية إلا فيما ندر ولكن الأثري الصبور ينقب ويتعمق في الحفر ويوسع فيه، ولا يعلم مطلقاً ماذا سيجده ويعثر عليه وبفضل جهود فرقة المعول أصبح في وسعنا الآن أن نقرأ سجل مجلس سياسي انعقد قبل نحو خمسة آلاف عام في الشرق الأدنى قبل أي مكان آخر.

أجل إن أول برلمان سياسي معروف في تاريخ الإنسان المدون قد التأم في جلسة خطيرة في حدود 3000 ق. م ولقد كان مثل برلماننا مؤلفاً من مجلسين: من مجلس الأعيان أي مجلس الشيوخ ومن مجلس العموم (النواب) المؤلف من المواطنين الذكور القادرين على حمل السلاح وكان برلمان حرب دعى للانعقاد ليتخذ قراراً في أمر خطير يخص الحرب والسلم. لقد كان عليه أن يختار بين السلم بأي ثمن كان وبين الحرب والاستقلال. فأما مجلس الأعيان الذي كان مؤلفاً من الشيوخ المحافظين فإنه أعلن قراره أنه بجانب السلم مهما كان الثمن. ولكن الملك اعترض على هذا القرار ثم عرض الأمر بعد ذلك على مجلس العموم فأعلن هذا المجلس الحرب من أجل الحرية وصادق الملك على قراره.

ففي أي جزء من العالم أول برلمان معروف لدى الإنسان ؟

لم يكن موضع انعقاده في الغرب في قارة أوربا كما قد تظن فإن المجالس السياسية في بلاد الإغريق الديمقراطية وفي زومة الجمهورية جاءت بعد ذلك بزمن طويل بل إن مما يثير الغرابة والدهشة أن يكون ذلك البرلمان العتيق قد عقد جلساته في ذلك الجزء من آسيا الذي اصطلح الناس عليه تسميته باسم الشرق الأدنى موطن الطغاة والمستبدين المأثور وهو جزء من العالم كان يظن عنه أن المجالس السياسية لم تكن معروفة فيه.

أجل إنه في تلك البلاد المعروفة قديماً باسم سومر الواقعة شمال خليج فارس بين نهري دجلة والفرات تم انعقاد أقدم مجلس سياسي معروف فمتى اجتمع هذا البرلمان ؟ إنه اجتمع في الألف الثالث ق . م فلقد كان يقطن بلاد سومر وهي تطابق القسم الجنوبي من العراق الحديث شعب أنشأ ونمى ما يرجح أن تكون أرقى حضارة في العالم المعروف آنذاك] [من ألواح سومر – د. صموئيل كريمر].

العلاقة بين السومريين وحاكمية الله أمر لم يكن لكريمر ولا لكثيرين من علماء الآثار غيره أن يدركوه، لأنهم إما لا يعتقدون بحاكمية الله، أو ملحدون يعتقدون أنّ الدين ابتدعه السومريون، والتوراة والقرآن مجرد عملية استنساخ للقصص السومرية الخيالية – بنظرهم – كقصة الطوفان، ولهذا فهم عندما وجدوا أنّ الملك السومري يعرض أمر الحرب على مجلسين للشورى حكموا وجزموا أنّ ما يمارسه السومريون ديمقراطية تشبه الديمقراطية الغربية اليوم، في حين أنّ ما كان يمارسه السومريون ليس الديمقراطية الغربية أبداً، ولا علاقة لممارستهم بالديمقراطية الغربية، حيث إنّ هناك نصوص سومرية كثيرة تؤكد أنّ الحاكم يأخذ شرعيته من التنصيب الإلهي.

إنّ نظام الحكم السومري هو نظام ورثوه عن نوح (عليه السلام) وعن الأنبياء كما ورثوا الدين الإلهي، فقد كان لديهم نظام حكم إلهي محرَّف كما كانوا أصحاب دين إلهي محرَّف، فنظام الحكم السومري لم يكن نظاماً دكتاتورياً ولا نظاماً ديمقراطياً بالمعنى الديمقراطي الغربي المعروف اليوم.

في نظام الحكم السومري كان هناك ملك تُعيّنه الآلهة. كما أنّ في نظام الحكم الإلهي ملك أو حاكم يعيّنه الله، ومهمة هذا الحاكم هي تحقيق إرادة الله وتطبيق قانون الله وإنصاف المظلومين، فهناك هدف من تعيين الحاكم الإلهي هو ليس الحكم بحدِّ ذاته، ولهذا فنظام الحكم الإلهي يمكن أن يتحقق حتى بإشراف الحاكم المعيَّن من الله على التطبيق ومراقبة التطبيق والتدخّل للتصحيح عند وجود توجّه للخطأ، وليس من الضروري أن يقوم بالحكم بنفسه ليتحقق الهدف من تعيينه.

وهذا ما نجده أو قريباً منه في المثال السومري الذي أورده الدكتور صاموئيل كريمر، حيث كان هناك نزاع بين كيش وأوروك على السلطة ودعوى التنصيب الإلهي، وقام حاكم أوروك بطلب رأي الشعب باختيار الحرب أو السلم، ولكنه لم يكن رأياً ملزماً له كما هو واضح في ما تقدم:

[أما الأوضاع السياسية التي استوجبت انعقاد أقدم برلمان في التاريخ مدونة أخباره فيمكن وصفها على الوجه الآتي: كانت بلاد سومر في غضون الألف الثالث ق . م مثل بلاد الإغريق في زمن متأخر جداً مؤلفة من عدد من دول – المدن المتنافسة المتنازعة فيما بينها على كسب السلطة والسيطرة على جميع البلاد. وكانت دولة كيش من أهم هذه الدويلات وهي المدينة التي تسلمت الملوكية كما جاء في الأساطير السومرية من السماء بعد الطوفان فوراً. ولكن كان هناك من هذه الدويلات دولة – مدينة أخرى هي دولة ارك (أوروك) الواقعة بمسافة بعيدة إلى الجنوب من كيش وكانت تتعاظم في السلطان والنفوذ السياسي حتى بلغ بها الحال أن أخذت تهدد سلطان دولة كيش على بلاد سومر. فأدرك ملك كيش عندئذ مبلغ الخطر وهدد أهل ارك بشن الحرب عليهم إذا أبوا الاعتراف به سيداً عليهم. وفي هذه الأزمة العصيبة التأم مجلسا ارك أي مجلس الشيوخ ومجلس الذكور القادرين على حمل السلاح ليبتا في أي السبيلين يختاران: الخضوع والإذعان إلى سلطان كيش والتمتع بالسلم أو إشهار السلاح والحرب من أجل المحافظة على الاستقلال] [من ألواح سومر – د. كريمر: ص83 – 84].

وصحيح أنّ بعض ملوك سومر هم مجرد ملوك مدّعين للتنصيب الإلهي، ولكن ما يهمنا هو أنّ السومريين عموماً كانوا يؤمنون بالتنصيب الإلهي، ويؤكد هذا الأمر ما وصلنا مكرراً في الألواح الطينية من أنّ الملوك هم من سلالة الآلهة وأنّ الآلهة تعينهم، وهناك قصة نقلها القرآن تمثل منازعة حدثت في سومر أو بلاد ما بين النهرين بين أحد الملوك المدعين الملك مع إبراهيم الخليل (عليه السلام) الملك المنصب من الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258].

وعموماً، يمكن مراجعة النصوص السومرية والأكادية والبابلية لنجد أنّ هذا الأمر واضح في كثير من النصوص، وأنهم كانوا يعتقدون أنّ الـمُلك تنصيب إلهي، أي كما في عقيدة الدين الإلهي الصحيحة التي في التوراة والإنجيل والقرآن، وهذا يُبيِّن بوضوح أنّ السومريين قد ورثوا الدين الإلهي القديم وكانوا ملتزمين بتعاليمه وأهمها النواميس المقدسة ومنفذها، ولكن لما تقادم عليهم الزمن حصل الشيء الذي يحصل دائماً وهو التحريف للدين الإلهي، واغتصاب الملك الإلهي، واضطهاد الملك المنصَّب من الله كما في حادثة إبراهيم (عليه السلام) الذي اضطر أخيراً إلى مغادرة أرض آبائه حتى شاء الله أن يعود أبناؤه فيما بعد بعودة ابنه علي ابن أبي طالب (عليه السلام) إلى أرض سومر وأكاد أو شومر أو شنعار أو بلاد ما بين النهرين (العراق).

وهذا أحد النصوص نقله د. كريمر عن الألواح السومرية، ويُبيِّن اعتقاد السومريين بالدين الإلهي وبالتنصيب الإلهي للملك أو الحاكم:

« يا سومر يا أيها البلد العظيم بين جميع بلدان العالم،

أنت مغمور بالنور الثابت الراسخ،

الذي ينشر من مطلع الشمس إلى مغرب الشمس النواميس الإلهية بين جميع الناس،

إن نواميسك المقدسة نواميس سامية لا يمكن إدراكها،

قلبك عميق لا يسبر غوره،

المعرفة الصحيحة تأتي بها ….. كالسماء لا يمكن أن تُمس،

والملك الذي تلده متوج بالتاج الأبدي،

والسيد الذي تنجبه يضع التاج على رأسه إلى الأبد.

سيدك سيد مبجل وملكك يجلس مع الإله آن على المنصة السماوية،

إن ملكك هو الجبل العظيم …..» [من ألواح سومر – صموئيل كريمر] )).

 

المصدر: أحمد الحسن، مراسي مختارة في موانئ سومر وآكاد / المرسى العاشر.

رابط الكتاب: