هل إرسال الرسل ظاهرة شرق أوسطية / د. علاء السالم

(( هل إرسال الرسل ظاهرة شرق أوسطية ؟

طرح الملحدون إشكالاً على الدين يتعلّق بتمركز الأديان السماوية وبعث الرسل في منطقة الشرق الأوسط بالتحديد، وهو بنظرهم يتنافى مع الاعتقاد بالرب الذي يدعو الرسل الإلهيون إلى الإيمان به.

طبعاً، ساعدهم في ترسيخ الشبهة ما ذكره علماء الدين في تحديد غرض الإرسال، وكذلك الأجوبة التي قدّموها وظنّوا أنها تجيب إشكال الملحدين، ولكنها “زادت الطين بلّة” كما يقال. وهو ما سنراه الآن.

 

شبهة الملحدين على انحصار بعث الرسل بمنطقة محددة:

يقول القائمون على صفحة “العلم ضد الأديان” الإلحادية على الانترنت:

«التناقض الثالث: أنبياء الشرق الأوسط

ما سبب عدم ظهور أنبياء في أوروبا والأمريكيتين واستراليا والصين، يدعون إلى السماوات الإبراهيمية التوحيدية، طبقاً لقول القرآن: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” النحل: 23.

تخبرنا الآية بأن الله قد بعث لكل أمة من الأمم رسولاً ليرشدهم إلى طريق الله، وهو ما يتناقض ويصطدم بشكل جلي بعلوم التاريخ والحقائق الانثربولوجية .فلو كان ما تخبرنا به الآية صحيحاً فهذا يعني بوضوح أن الله قد بعث الأنبياء إلى الهنود الحمر ولقبائل الإنكا والإزتيك بأمريكا الشمالية والجنوبية ولسكان استراليا الأصليين الأبورجينز وللصينيين ولليابانيين وللفراعنة.. إلخ !

ولكن الحقيقة تتضح في شكل مناقض تماماً، فماذا عبد هؤلاء قديماً وبما كانوا يؤمنون في الماضي السحيق ؟ …………….

لا نجد من قال بالأديان السماوية الإبراهيمية إلا .. في منطقتنا منطقة “الشرق الأوسط”.

فهل الأرض عند محمد وصديقه الخيالي هي فقط “الشرق الأوسط” ؟».

 

إجابة علماء الدين على الشبهة:

سأعرض الآن نماذج من إجابات علماء المسلمين بمختلف فرقهم على الشبهة المطروحة:

الأول: جواب مركز الأبحاث العقائدية التابع لمرجعية السيد السيستاني

«السؤال: لماذا أكثر الأنبياء في منطقة الشرق الأوسط؟

لماذا لم يرسل الله سبحانه في الأمزون أنبياء أو في أماكن أخرى لا يوجد أنبياء، ولماذا أكثر الأنبياء كانوا في منطقة الشرق الأوسط، مع الشكر؟

الجواب:

الأخ احسان المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لم يثبت أن الله سبحانه لم يبعث أنبياءاً إلى الأمم المختلفة سوى في منطقة الشرق كما تقولون، وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: “وَإِن مِن أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ” فاطر: 24، وكذا قوله تعالى: “وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً” الاسراء: 15، وكذا قوله تعالى: “وَلَقَد بَعَثنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ” النحل: 36.

ولكن يمكن القول بأنّ النبوات كانت أكثر ظهوراً وأقوى تأثيراً في منطقة الشرق الأوسط دون غيرها لاقتضاء الوجود البشري في هذه المنطقة وانتشاره فيها بكثافة وتحضّره وتمدّنه مع وجود الأسباب وعدم الموانع التي تحول بين الأنبياء وبين أداء مهمتهم الرسالية في المناطق التي كانوا يبعثون إليها، ومع هذا كلّه فيمكن استفادة بعث الأنبياء إلى كل الأمم بلحاظ ما تقدم من آيات وبلحاظ قوله تعالى عن الرسل الذين لم يخبر عنهم وأنّهم قد أرسلوا إلى أمم في الأرض كما في الآية “وَرُسُلاً قَد قَصَصنَاهُم عَلَيكَ مِن قَبلُ وَرُسُلاً لَم نَقصُصهُم عَلَيكَ” النساء: 164.

ودمتم في رعاية الله» الجواب متاح على هذا الرابط: http://www.aqaed.com/faq/4956/

الثاني: جواب الأزهر – مصر

«بعثة الرسول في الشرق الأوسط

المفتي / عطية صقر – مايو  1997

المبادئ / القرآن والسنة

السؤال: ما الحكمة في بعثه الرسل كلهم في الشرق الأوسط من الأرض ؟

الجواب:

ليكن معلوماً أن الله سبحانه أرسل رسلاً كثيرين كما قال تعالى: “ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك” غافر : 78، وقال تعالى: “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير” فاطر: 24، وقال تعالى: “ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً” النحل: 36، نعلم من هذه النصوص أنه يجوز أن يكون الله سبحانه قد أرسل رسلاً في غير منطقة الشرق الأوسط، على أن المختصين قالوا: إن العمران البشرى بدأ أول ما بدأ في هذه المنطقة، وذلك لاعتدال جوها وكثرة خيراتها المتاحة من المياه والنبات وغيرها، ووجود عوامل ساعدت على تجمع الناس وتكوين وحدات مستقرة، أو على الأقل متعاونة متحدة، والغالب أن يكون لهذه العلاقات الاجتماعية أثر كبير على الفكر والسلوك، الذى قد يشيع ويعم الوحدة الاجتماعية كلها، ومن هنا كانت الحاجة أمس لإرسال رسول يهدى الضالين في العقيدة والسلوك، فالرسول لا يأتي لأفراد متناثرة ولكن لوحدات مترابطة، حتى لا يكون للناس على الله حجة “رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل” النساء : 165» فتاوى الأزهر: ج8 ص97. المصدر: وزارة الأوقاف المصرية.

الثالث: جواب السلفيين

في الموقع السلفي “الإسلام سؤال وجواب – بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد”، جاء التالي:

« 138770: هل هناك أنبياء أرسلوا إلى أهل إفريقيا وأوربا ؟

السؤال  لماذا ظهر الأنبياء جميعهم في منطقة واحدة من العالم، ولم يظهر نبي في مناطق أخرى، مثل أوروبا ؟.

الجواب:

الحمد لله

أولاً:

من المقرر في شريعتنا : أن الله تعالى أقام الحجة على العباد، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولم يكن هذا الإرسال لأمة دون أخرى، ولا لقارة دون غيرها، بل كان إرسالاً للأمم كافةً، على اختلاف مكانها، وزمانها، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر /24، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل/ 36 .

ولذا كان من عدل الله تعالى أنه قضى أنه لا يعذِّب أحداً لم تبلغه دعوة الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) الإسراء/ 15، وقال تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) الأنعام/ 131.

إلا أن الله تعالى لم يقص علينا خبر جميع الرسل، بل قص علينا خبر بعضهم، وأكثرهم لم يقص علينا خبره، كما قال الله تعالى: (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ).

وعليه؛ فالقول بأن الأنبياء لم يكونوا إلا في منطقة واحدة من العالَم: قول غير صحيح، بل أرسل الله الرسل إلى جميع أمم الأرض ……..

ثانياً:

من المعلوم أن أغلب الحضارات التي قامت على مر التاريخ: سكنت هذه البلاد، وهي ما يسمى بـ “منطقة حوض البحر المتوسط” وما قاربها، وهي: الشام، ومصر، والعراق، وجزيرة العرب، وبالتالي كانت الكثافة السكانية – في الأغلب – في تلك البلاد، وهذا مناسب جداً لكون أكثر الرسل أرسلوا إلى أهل هذه البلاد .

وأما الحكمة من أن الله تعالى قص علينا قصص أنبياء ورسل هذه المناطق دون غيرها :

  1. أن العبر والعظات في قصص أولئك الأنبياء والرسل الكرام أعظم من غيرها.

قال الطاهر بن عاشور رحمه الله :

“وإنَّما ترك الله أن يقصّ على النّبي صلى الله عليه وسلم أسماء كثير من الرسل للاكتفاء بمن قصّهم عليه: لأنّ المذكورين هم أعظم الرسل، والأنبياء، قصصاً ذات عبر” انتهى. “التحرير والتنوير” (6/35).

  1. أن هؤلاء الرسل بحكم وجودهم في منطقة العرب وما حولها كانت أخبارهم معروفة عند العرب، وعند أهل الكتاب المتواجدين في هذه المنطقة، وهذا يكون أقوى في إقامة الحجة على هؤلاء، وتأثير الموعظة والعبرة بما وقع لهؤلاء.

 والله أعلم» الجواب متاح على هذا الرابط: http://islamqa.info/ar/138770

هذه كانت بعض أجوبة علماء المسلمين بمختلف اتجاهاتهم على الشبهة المطروحة.

 

وقفة مع الأجوبة المقترحة:

إنّ شبهة الملحدين المتقدمة في الحقيقة منطلقة من فهمٍ مغلوط لآيات القرآن الكريم، وجهلٍ منهم بصفات المُرسِل أساساً وغرضه الذي يتوخّاه من إرساله للرسل بل من خلقه للخلق عموماً، ومع هذا فكل ما يهمهم هو ضرب الدين الإلهي بأي وسيلة كانت، لذا تراهم لا يعدمون القشة لأجل تحقيق غرضهم وحكمهم المسبق، في ذات الوقت الذي يتجاهلون فيه الجذع إن كان بخلاف مرامهم، ومن ثمَّ فلا أجد غرابة في الموضوع بالنسبة لهم.  

ولكن الغريب حقاً أنّ يجد القارئ لأجوبة علماء الدين الإذعان والتسليم المطلق للملحدين بالمعنى الذي فهموه من الآيات، فمعنى قوله تعالى: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً”، وقوله: “وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ”، عند الملحدين وعلماء الدين معاً هو: أنّ الله سبحانه قد أرسل رسله إلى كل بني البشر في جميع أماكنهم وفي كل أزمانهم.

ولا يخفى أنّ هذا الفهم من قبل علماء الدين مرتبط بتحديدهم لغرض إرسال الرسل، ونحن إذ بيّنا – فيما سبق – عدم صحة الغرض الذي حدّدوه، فلا يمكن بحالٍ قبول الفهم المستند إلى غرضٍ هو غير صحيح أساساً، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية: إنّ من ضمن ما استدل به الملحدون في شبهتهم بانحصار الأديان في منطقة الشرق الأوسط وعدم بعث الرسل في المناطق المذكورة في الشبهة، هو: خلوّ الأدلة التاريخية والانثروبولوجية من كل ما يتعلّق بالرسل ودعواتهم في تلك المناطق، وهو كلام صحيح علمياً.

فهل يعقل أن يتجاهل التراث التاريخي والحضاري الإنساني حدثاً بضخامة بعثة رسول إلهي إلى الهنود الحمر  وقبائل الازتيك والأنكا أو سكان غابات أفريقيا الوثنيين – مثلاً – في ذات الوقت الذي يحتفظ بأدلة على أحداث في نفس تلك المناطق تقل أهمية عن ذلك بكثير !!

ثم إننا وجدنا أنّ آلاف السنين لم تكن كافية لإعدام أو تجاهل ألواح الحضارة السومرية ورقمها الطينية، التي تؤكد إيمان السومريين (أصحاب أول حضارة عرفتها الإنسانية) بالدين الإلهي، ببركة تعاليم أنبيائهم كنوح وإبراهيم (عليهما السلام) وإن طاله التحريف كما هي العادة بعد بعثة كل رسول إلهي، ولا زال علماء الأركيولوجيا وحتى وقت قريب يرفدون المجتمع الإنساني بمثل تلك الألواح والرقم الطينية التي يعثرون ولا زالوا عليها، فما بالهم عجزوا هذه المرة عن أن يعثروا في غابات أفريقيا أو أمريكا الشمالية على شيء يؤكد وجود تعاليم تشبهها !

علماً، إنه لا يشترط أن تكون مثلها في العمق الزمني، بل يكفي ولو كانت متزامنة مع السيد المسيح (عليه السلام) أو قبله بقليل، “بناء على كون نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) آخر الأنبياء والمرسلين، ووجود الفترة بينه وبين عيسى (عليه السلام)”، ومثل هذا الزمن يُعدّ قريباً نسبياً إذا ما قيس بحضارة سومر وأكاد والأنبياء الذين بعثوا في بلاد الرافدين.

ثم إن كان المؤرخون والانثروبولوجيون متواطئين مع الإلحاد في تجاهل تدوين وتسجيل مثل تلك الأدلة كما تفيده بعض كلمات علماء الدين وأتباعهم، فهل الأرض والطبيعة والآثار تواطئت هي الأخرى معهم، بحيث لا يمكن العثور في تلك المناطق على شيء – ولو بسيط – وفي طبقات الأرض – لا فوقها – يرفد إمكانية بعث رسل إلهيين فيها ؟!!

إنه أمر تكاد تكون إمكانية قبوله – علمياً – قريبة من الصفر تقريباً، وبرغم ذلك نجد أنّ علماء الدين تجاهلوا ذلك والجواب عنه بالمرة، وكأنهم غير معنيين بما يسمعون، مع أنّ الكلام في أمر عقائدي خطير ويمس الدين الإلهي والرسالات السماوية بالصميم، بل يُعدّ من بين كبريات مقولات الملحدين في التنكر للدين القويم !

ومن جهة ثالثة: إنّ كون منطقة الشرق الأوسط مهد الحضارات وبالتالي احتوائها على الكثافة السكانية، كما أفادته أجوبة علماء الدين، ربما يبرّر كثرة الرسل فيها في أحسن الأحوال، ولكنه لا يبرر عدم وجود أدلة علمية على بعث الرسل في المناطق المذكورة في إشكال الملحدين، كما هو واضح.

كما أنّ عدم ذكر القرآن الكريم بعض الرسل كما تفيده الآية الكريمة: “وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ”، والتي استشهد بها علماء الدين في إجاباتهم، لا يثبت إرسال الرسل غير المقصوصين في المناطق المذكورة في الإشكال، إذ لا ملازمة بين الأمرين بالمرة. وفي ذات الوقت لا ينفي العثور على آثار  وأدلة تاريخية تفيد بعثتهم في تلك المناطق، لو كان هناك ثمة بعث قد حصل فيها.

ومن جهة رابعة: إنّ النصوص القرآنية التي استشهد بها علماء الدين وفهموها بنفس الفهم الذي ساق الملحدين للإشكال على الدين الإلهي والطعن فيه، بيّنها محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين) ببيان آخر، يلتقي تمام الالتقاء مع غرض الإرسال الحقيقي، وهو ما سنعرفه الآن.

 

القول الفصل في جواب شبهة الملحدين:

قلت: إنّ علماء الدين والملحدين فهموا من قوله تعالى: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً”، وقوله: “ولِكُلِّ أُمَّـةٍ رَسُـولٌ”، وقوله: “وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ”، أنّ الله سبحانه أرسل رسله إلى كل الناس في كل مكان في مختلف العصور.

وقد أوضحنا فيما مضى أنّ مثل هذا الفهم – بالنسبة لعلماء الدين – يلتقي مع غرض الإرسال الخاطئ الذي حدّدوه، ولما كان ما قالوه غير صحيح، وأنّ الغرض الحقيقي للإرسال هو “قطع العذر”، فامتحان الناس على هذه الأرض وإتمام الحجة عليهم لا يلزم منه بعث الرسل إليهم في كل أماكنهم، بل قد يكون بأخذ عيّنة منهم وبعث الرسل إليهم، وبه يقطع عذر نظرائهم في أماكن أخرى، وقد بيّنا ذلك بالتفصيل في بحث “قطع العذر لا يوجب الارسال لكل الناس” المتقدم.

إذن، صار لزاماً أن تفهم الآيات أعلاه بشكل يلتقي مع هذا الغرض الصحيح، وهو بالضبط التفسير الذي أوضحه أئمة الدين الحقيقيون – أعني محمداً وآل محمد (صلوات الله عليهم) – لها، وكان يُفترض بعلماء الدين قبل الإذعان للملحدين في فهمهم للآيات، الرجوع إليهم (صلوت الله عليهم)، لأنهم عدل القرآن وترجمانه، لمعرفة المعنى المراد منها، فلنرى كيف بيّن آل محمد (عليهم السلام) المراد بالآيات:

عن جابر، عن أبي جعفر  (عليه السلام)، قال: (سألته عن تفسير هذه الآية: “لِكُلِّ أُمَّـةٍ رَسُـولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُـونَ”، قال: تفسيرها بالباطن، إنّ لكل قرن من هذه الأمة رسولاً من آل محمد، يخرج إلى القرن الذي هو إليهم رسول، وهم الأولياء وهم الرسل، …) تفسير العياشي – محمد بن مسعود العياشي: ج2 ص123 ح23.

فالمقصود بـ”كل أمة” إذن هي الأمم المتعاقبة طولاً، زمناً بعد زمن، وقرناً بعد قرن، بحيث لا يخلو مقطع زمني ما في حياة الناس بالمطلق من وجود رسول إلهي في أمة بينهم، وبوجوده يُقطع عذر من بُعث فيهم، وكذلك عذر نظرائهم الموجودين في الأماكن الأخرى كغابات أفريقيا وأمريكا الشمالية والصين وأستراليا وغيرها. وليس المقصود بـ”كل أمة” جميع الأمم عرضاً، بمعنى أن يكون لكل مجموعة بشرية منتشرة على هذه الأرض رسول، كما فهمه الملحدون وعلماء الدين.

وما أوضحته الرواية السابقة، أشارت إليه روايات أخرى أيضاً، منها:

– عن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يحمل هذا الدين في كلِّ قرنٍ عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد) وسائل الشيعة – الحر العاملي: ج27 ص151.

– عن يعقوب بن شعيب، قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، “يوم ندعو كل أناس بإمامهم” فقال: ندعو كلَّ قرنٍ من هذه الأمة بإمامهم، قلت: فيجئ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قرنه، وعلي (عليه السلام) في قرنه، والحسن (عليه السلام) في قرنه، والحسين (عليه السلام) في قرنه، وكل إمام في قرنه الذي هلك بين أظهرهم ؟ قال: نعم) المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقي: ج1 ص133 ح44.

– وعن الإمام علي (عليه السلام): (إن الله اختص لنفسه بعد نبيه (صلى الله عليه وآله) من بريّته خاصة علاهم بتعليته، وسما بهم إلى رتبته، وجعلهم الدعاة بالحق إليه والأدلاء بالرشاد عليه، لقرنٍ قرن، وزمنٍ زمن) بحار الأنوار – العلامة المجلسي: ج94 ص113.

– عن أبي البختري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (… فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كلِّ خلفٍ عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) الكافي – الشيخ الكليني: ج1 ص32 ح2.

– وروى الكليني بسنده: (… عن الفضيل قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: “ولكلِّ قومٍ هادٍ” فقال: كل إمام هادٍ للقرن الذي هو فيهم.

….. عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عز وجل: “إنما أنت منذر ولكلِّ قومٍ هادِ” فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) المنذر، ولكل زمانٍ منّا هادٍ يهديهم إلى ما جاء به نبي الله (صلى الله عليه وآله)، ثم الهداة من بعده علي ثم الأوصياء واحد بعد واحد) الكافي – الشيخ الكليني: ج1 ص191 – 192 ح1 و2.

– وفي تفسير القمي: (“وإن من أمة إلا خلا فيها نذير” قال: لكلِّ زمانٍ إمام) تفسير القمي – علي بن إبراهيم القمي: ج2 ص209.

لاحظ: “كل قرن”، “كل خلف”، “هادٍ للقرن”، “لكل زمان منّا”، “لكل قرن إمام”، لكل زمان إمام”.. وليس لكل مكان إمام أو رسول، وجميع هذه التعبيرات تلتقي مع كون غرض الإرسال “قطع العذر” كما هو واضح.

وليماني آل محمد، السيد أحمد الحسن، قول مفصّل في المسألة، أحكم فيه ما تشابه على علماء الدين وقطع ظنونهم، وكذلك تقوّلات الملحدين أيضاً:

[ س217: ….. ما هو ذنب من لم يصله القرآن ؟

الجواب: أنت تقصد ما هو ذنب من لم يصله القرآن ومات كافراً بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ….، وهذا الأمر قد بيّنته في أحد الكتب، وهو “إضاءات من دعوات المرسلين”، وأنقل لك بعض الأسطر من هذا الكتاب:

إضاءة من فاتحة سورة يوسف:

قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ* قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 4 – 6].

في هذه الآيات تفتتح مسيرة يوسف (عليه السلام) إلى الله، إنها تذكير من الله العليم الحكيم ليوسف (عليه السلام) بحقيقته التي ارتقاها في عالم الذر وغفل عنها بسبب حجاب الجسد لما خلقه الله وأنزله إلى هذا العالم الظلماني (عالم الأجسام).

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 62]، أي إنكم كنتم في عالم الذر مخلوقين وأمتحنكم الله:  ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172 – 173].

وهذه الآية فيها رد على من يقول: ما ذنب من لم يصل إليه الإسلام ولم يُبلّغ برسالات السماء كمن عاش في مجاهل أفريقيا أو في أطراف الأرض أو في أرض بعيدة عن أرض المرسلين (عليهم السلام).

والرد: إنّ الآية الأولى تثبت أنّ الناس تم امتحانهم وكلٌّ أخذ مقامه وتبيّن حاله واستحقاقه، والآية الثانية تبيّن أنهم غير معذورين باتباع ضلال آبائهم في هذه الأرض أو أنهم عاشوا في أرض لم يطأها نبي ولم يصل لها الحق ولم يبلغهم به أحد؛ لأنّ الله يقول لهم: إني امتحنتكم في عالم الذر وعلمت حالكم واستحقاقكم، فلا تقولوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أي إنّ الله يقول لهم: أنا أعلم أنه لو جاءكم الأنبياء والأوصياء والمرسلون وبلغكم برسالات السماء المبلغون لما آمنتم ولما صدقتم ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23].

أمّا من يقول: فلماذا لم يسوّوا مع الكفار في أرض الرسالات في إيصال البلاغ ؟

فالرد: إنّ تبليغ هؤلاء فضلٌ على من لا يقبل الفضل ولا يستحقه وأنت تعلم علماً مسبقاً أنه لا يقبله يقيناً، فعرضه عليه تحصيل حاصل، وبالتالي فلا يضر أن تعرضه على بعضهم لبيان أنّ الباقي كهؤلاء الذين عُرض عليهم الحق فلم يقبلوه، فالعرض على بعضهم لإتمام الحجة، وإنه لا عذر لمن يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ لأنّ نظراءهم عُرض عليهم الحق فاختاروا ضلال آبائهم على هدى المرسلين: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، بل جعلوا ضلال آبائهم هو الهدى والحق ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ] الجواب المنير عبر الأثير – السيد أحمد الحسن: ج3 سؤال رقم 217، أحد إصدارات أنصار الإمام المهدي (عليه السلام).

هذا هو القول الفصل في إجابة شبهة الملحدين، ولا قيمة دينية أو علمية تذكر لما سواه، ممّا سمعناه في أقوال علماء الدين المتقدمة، وكذا غيرها مثل ما ورد عن:

  1. السيد الطباطبائي، إذ يقول:

«وقوله: “ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً” إشارة إلى أن بعث الرسول أمر لا يختص به أمة دون أمة بل هو سنّة إلهية جارية في جميع الناس بما أنهم في حاجة إليه وهو يدركهم أينما كانوا، كما أشار إلى عمومه في الآية السابقة إجمالاً بقوله: “كذلك فعل الذين من قبلهم”» تفسير الميزان – السيد الطباطبائي: ج12 ص242.

  1. الشيخ مكارم الشيرازي، إذ يقول:

« 2- لكل أمة رسول:

عند قوله عز وجل: “ولقد بعثنا في كل أمة رسول” يواجهنا السؤال التالي: لو كان لكل أمة رسول لظهر الأنبياء في جميع مناطق العالم، ولكن التأريخ لا يحكي لنا ذلك، فكيف التوجيه ؟!

وتتضح الإجابة من خلال الالتفات إلى أن الهدف من بعث الأنبياء لإيصال الدعوة الإلهية إلى أسماع كل الأمم، فعلى سبيل المثال .. عندما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة أو المدينة لم يكن في بقية مدن الحجاز الأخرى نبي، ولكن رسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يصلون إليها وبوصولهم يصل صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها أسماع الجميع، بالإضافة إلى كتبه ورسائله العديدة التي أرسلها إلى الدول المختلفة (إيران، الروم، الحبشة) ليبلغهم الرسالة الإلهية …» الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج8 ص187.

ويقول أيضاً:

«إن معنى جملة: “وإن من أمة إلا خلا فيها نذير” هو أن كل أمة كان لها نذير، إلا أنه لا يلزم حضوره بنفسه في كل مكان، بل يكفي أن يصل صوت دعوة أنبياء الله العظام بواسطة أوصيائهم إلى أسماع كل البشر في العالم» المصدر نفسه: ج13 ص94.

  1. في مركز الإشعاع الإسلامي – بإشراف الشيخ صالح الكرباسي، ورد:

«هل أرسل الله رسلاً أو بعث أنبياءً إلى الصين، و من هم؟ …………..

إذن، فالآيات القرآنية الكريمة تؤكد بكل صراحة أن الله عَزَّ و جَلَّ لم يدع أمةً من الأمم إلا و بعث إليهم الأنبياء و الرسل، والصين كغيرها من البلاد لم تخرج عن هذه القاعدة، خاصة وأنها بلد كبير و اللهُ جل جلاله لم يكن ليترك الناس في ذلك البلد الكبير هملاً من دون هداية و إرشاد، أما من هو النبي المبعوث إليهم، أو من هم الرُسل الذين أرسلهم الله إلى الصين بالأسم و المواصفات فهذا ما ليس لنا لمعرفته سبيل، وذلك لسكوت الاحاديث عن مثل هذه التفاصيل» مركز الاشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث الإسلامية – بإشراف الشيخ صالح الكرباسي.

ومثلها، أو قريبة، منها كلمات أخرى لعلماء دين آخرين.

الرد: إنّ أصحاب هذه الأقوال يفترضون أنّ غرض البعثة هو إيصال الدعوة الإلهية لكل الأمم أو هدايتهم، وهو قول غير صحيح كما عرفنا. كما أنهم فهموا “كل أمة” بمعنى: جميع الأمم المنتشرة على ربوع الأرض في مقطع زمني واحد، وبذلك منحوا الملحدين فرصة ذهبية في الإشكال على القرآن والدين عموماً.

ولو قيل لهم؛ وللشيرازي تحديداً: إنّ كثيراً من الرسل وأوصيائهم كانوا مشرّدين مسجونين مقتولين، فعيسى (عليه السلام) مثلاً إلى حين رفعه لم تتعدَ دعوته أرض فلسطين، وما جرى على أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) من قتل وتشريد وتغييب من قبل الأمة التي أرسلوا فيها وحكامها وعلمائها فضلاً عن غيرهم، لا يكاد يخفى على كلِّ حرٍّ منصف.

كما أنّ رسل النبي (صلى الله عليه وآله) إنما وصلوا إلى أمم في أماكن محدودة جداً على هذه الأرض، ولم يصلوا إلى مناطق شاسعة منها كالأمم القاطنة في غابات أفريقيا والأمريكيتين والصين وغيرها، فهل من كان فيها من البشر مستثنون من الإيمان بالدعوة الإلهية، أو أنّ عالمية الرسالة أو العدالة الإلهية (وحاشاه سبحانه) وقفت وتلاشت عند أسوارهم مثلاً ؟ حقيقة، لا أعرف بماذا سيجيب.

ومثل هذه الأقوال تماماً في عدم القيمة الدينية والعلمية والفهم السقيم:

أ- ما أجهد بعض علماء الدين وأتباعهم به أنفسهم سعياً لإيجاد نقاط اشتراك بين ما هو موجود في الرسالات السماوية كالإسلام، وبين التقاليد والعادات المنتشرة بين قبائل الهنود الحمر وسكان غابات أفريقيا والأمازون واستراليا وغيرها؛ بغية إيجاد قشة تثبت الإرسال الإلهي إلى مناطقهم !

ب- بل ربما لوّح بعض الكتّاب المسلمين بنبوة بوذا أو كونفوشيوس في الصين مثلاً.

جـ- إنّ خلوّ تلك المناطق من الأدلة التاريخية والانثروبولوجية التي تثبت الإرسال، سببه أنّ المؤرخين كانوا يهتمون بالسلطان والأسر المالكة والحروب والاقتصاد، ولا يهتمون بالأنبياء والمرسلين !

وهي مجرد تخرّصات وأقوال عارية عن الدليل الديني والعلمي في نفس الوقت، وخفيفة في الميزانين معاً، وأقرب إلى قصص الخيال والأساطير الشعبية التي يتناقلها بعض المغيّب وعيهم مع الأسف الشديد، لذا أعرضت عن الوقوف عندها )).

 

المصدر: علاء السالم / علة إرسال الرسل – رسالة دكتوراه: ص62 – 75.

رابط الرسالة: