الرحيم المطلق لماذا يعذّب بالنار / السيد أحمد الحسن

(( اشكالات يسوقها الملحدون:

الرحيم المطلق لماذا يعذب بالنار ؟!

قبل كل شيء يجب الالتفات إلى أن المالك الحقيقي لا يمكن أن يكون ظالماً عندما يتصرف في ملكه وممتلكاته، وبالتالي فالعذاب أو نار جهنم لا تتعارض مع مفهوم العدل. نعم يمكن الإشكال – بسبب فهم خاطئ لمعنى العذاب والنار – على أنها تتعارض مع مفهوم الرحمة، أو الإشكال بأن الأمر عبثي أو عبارة عن لعب؛ حيث لا رحمة ولا حكمة في أن يقوم الله بخلقهم ثم يعذبهم، فكان الأولى به أن لا يخلقهم من البداية.

رد الإشكال:

العذاب أو نار جهنم ما هو إلا كشف الحقائق الدنيوية لمن اختاروا هذه الحياة الدنيا وتعلقوا بها، فالأمر لا يتعدى إعطاء شخص ما أراد هو لنفسه من بقاء وخلود في هذه الحياة الدنيا، ولكن مع كشف حقيقة اختياره له، وبالتالي فهو عدل ورحمة وإحسان، فهو اختار الحياة الدنيا وأعطاه الله ما أراد، فأين الظلم أو القسوة في هذا؟!

قال تعالى:

﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 13].

﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 54].

[﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60].

هذه هي الحقيقة، الله أعطى كل إنسان المفتاح الرئيس الذي يفتح كل الأبواب والذي يثبت إنسانيته، فيمكنه أن يفتح الأبواب واحداً بعد الآخر لينتقل من نور إلى نور أعظم منه حتى يصل إلى مواجهة النور الذي لا ظلمة فيه، ويمكنه أيضاً بكل بساطة أن يلقي المفتاح إلى الأرض ويعود إلى حيوانيته وبهيميته والتي بها يمسي يساوي القرد كما في النص القرآني ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ !

لا ظلم في ساحة الله، فالنار هي الدنيا لمن اختاروها وطلبوا الخلود فيها، فقط سيكشف الغطاء عنهم ليجدوها مشتعلة بأعمالهم وظلمهم وفسادهم، وملأتها عقارب حسدهم ووحوش أفكارهم وجرائمهم وحقائقهم الحيوانية البهيمية التي ستظهر لهم جلية فيعذب بعضهم بعضاً بتلك الحقائق الخبيثة عندما يكشف الغطاء. لا ظلم في ساحة الله، من طلب الخلود الدنيوي سيعطى أمنيته ويبقى حيث أراد، فقط سيكشف عنه الغطاء ليرى الحقائق كما هي ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 13].

الله عادل في كل شيء، بل هو محسن وكريم إلى درجة لا يمكننا أن نفهمها وليس عادلاً فقط، لهذا فهو لا يؤذي أحداً بل أشد عقوبته هي أن يعطي الإنسان اختياره الذي عادة يكون فيه هلاكه الأبدي، لهذا فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾[الأعراف: 166]:

أي أنهم ألقوا المفاتيح من أيديهم وخسروا الروح الإنسانية التي بثها الله في أبيهم آدم (عليه السلام) وحثهم على تحصيلها، ولم تبقَ لهم إلا الروح الحيوانية، فعادوا إلى أصولهم حيوانات وبهائم لا يكادون يفقهون قولاً] [كتاب وهم الإلحاد: 142].

وهنا ربما يطرح إشكال مفاده: إن هذا الإنسان يجهل حقيقة اختياره، وبالتالي فهو تعرض لعملية خداع فهو لا يعرف أن هناك حقيقة مخفية خلف الصور التي يراها في هذه الحياة الدنيا، ولا يعلم أن هذه الحقائق بشعة وأن العيش فيها مع رؤيتها والإحساس بها تمثل عذاباً عظيماً لا يحتمل، فهو لو كان يعلم بهذه النتيجة لما أقدم على هذا الاختيار.

وهذا الإشكال مبني على أساس أن الإنسان ليس لديه أي علم بنتائج اختياره، ولهذا فهو غير صحيح. نعم، لو كان الله لم يخبره بحقيقة اختياره ربما يكون للإشكال وجه، ولكنه أخبره وحذره )).

 

المصدر: أحمد الحسن / كتاب عقائد الإسلام: ص25 – 27.

رابط الكتاب: